مقام الشهود: الجزاء المكنون للصائمين
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣
مقام الشهود: الجزاء المكنون للصائمين
سياق الإشارة
يستشهد الشيخ بهذه الآية الكريمة في ختام بيانه للجزاء الأوفى للصائم، ليرتقي بفهم المريد من مجرد فرحة انقضاء الجوع وانكسار النفس إلى استشراف لذة النظر إلى وجه الله، مؤكداً أن التدريب الروحي طوال شهر رمضان يهدف أساساً إلى بلوغ هذا المقام
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية كاشفاً عن الخريطة الروحية لرحلة الصائم، ومؤسساً لمعنى جليل يتجاوز الأفهام السطحية: أعرني انتباهك يا ولدي لتلك النصف ساعة التي تسبق مغيب الشمس، ففي طياتها تتنزل رحمات إلهية ذات طابع خاص جداً، وقد نوه الحبيب المصطفى ﷺ بفضلها في الحديث الذي أخرجه الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ) في "الجامع المسند الصحيح المختصر"، حيث قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه». وليس هذا فحسب، بل جُعلت هذه الساعة ميقاتاً لإجابة الصائم؛ ففيها دعوة لا ترد، إنها ساعة يقال لك فيها "لبيك"، وكأن لسان الحال الإلهي يخاطبك: لقد أطعتنا يا عبدي فيما نريد، ونحن سنطيعك فيما تريد وزيادة. وما هي تلك الزيادة يا ولدي؟ إنها منحة الطمأنينة، فبها نغمر قلبك بالسرور ونجللك بالفرح.
ولعلك تتساءل في سريرتك مستدركاً: كيف سيكون هذا الفرح؟ إنه يا ولدي فرح يتنزل بكيفيات لا يحيط بها إدراكك، ولا تبلغها مدارك عقلك. ولم ذلك؟ لأن القلوب تتقلب بأمر الله، مصداقاً للحديث الذي أخرجه الإمام الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفى سنة ٢٦١ هـ) في "المسند الصحيح المختصر": «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». فهو جل وعلا قادر في ومضة عين أن يحول قلبك من تيه الضلال إلى نور الهدى، ومن وحشة الردى إلى برد الرضا، ومن جفاء البعد إلى أنس القرب، ومن ظلمة الحجاب إلى نور "الشهود". إنها ساعة الإفطار، تتكرر نفحاتها وذلك في كل يوم، وتتجلى بركاتها وذلك في كل ليلة.
ولا يزال الحق تبارك وتعالى يوالي عليك أفراحه ثلاثين يوماً متتالية، لتكون هذه الأيام مدرسة تروض روحك وتهيئها لاستقبال الفرحة الثانية التي أخبرنا بها النبي ﷺ وهي: «وفرحة عند لقاء ربه». فكمال الرضا لا يتجلى إلا يوم اللقاء الأكبر، إذ يقول الحق جل جلاله في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: «الصوم لي وأنا أجزي به». فما هو هذا الجزاء المكنون؟ يستنبط الشيخ هنا ببراعة العارفين أن الجزاء ليس إلا "مقام الشهود"، حيث تتجلى الحقيقة الكبرى وتشرق الأنوار الإلهية، وهو ما يفسر به الآية الكريمة، لتنضر الوجوه بجمال النظر إلى وجه الجواد الكريم.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الصيام في حقيقته ليس مجرد امتناع عن المفطرات المادية، بل هو ترويض يومي للروح وتهيئة لها لاستقبال التجليات الإلهية، لتنال الوجوه نضارتها يوم القيامة مكافأة على انكسارها وعبوديتها في ساعة الإفطار، فيتحقق لها أعلى مقامات الشهود والنظر إلى الخالق جل جلاله.
