أدب السالكين في التسليم لأسرار وأحوال العارفين
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
أدب السالكين في التسليم لأسرار وأحوال العارفين
سياق الإشارة
يوضح الشيخ من خلال هذه الآية الكريمة الأدب الرباني الواجب تجاه أهل الله وخاصته، محذراً من التطفل والخوض في تفاصيل مقاماتهم وأحوالهم الباطنية التي تفوق الإدراك البشري.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مرسياً قواعد الأدب مع أهل الخصوصية والولاية: يا ولدي، إن أهل الكهف لما أعطوا ظهورهم لهرج الوقت وفتن الزمان، دخلوا آمنين في "دولة الحقيقة"، وخرقت لهم القوانين الكونية والعادات الجسمانية. وحين نقرأ هذه القصة العظيمة، إنما نستشرف حال العبد العارف حين يترك هرج الزمان خلف ظهره؛ فبينما يتخبط كل الناس في الغلطات والزلات، يرحل هو بقلبه إلى ربه. ولكن، كيف لك أن تتحدث عن هؤلاء الذين تجلى الله عليهم في كهفهم؟ لقد أدبنا القرآن الكريم في شأنهم تأديباً بليغاً قائلاً: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. أي اقتصر في الحديث على ظاهر الأمر ومبناه؛ فتحدث عن أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإياك أن تتعدى هذه الحكاية الظاهرة لتغوص بجهلك في كنه سرهم. ولماذا هذا التحذير الرباني المشدد؟ لأن العقول العادية والبشرية المحدودة لا تتحمل ولا تدرك أحوالهم الباطنة! إنهم أناسٌ تم التجلي الإلهي على بشريتهم، حتى إن الأجساد لم تتعفن ولم تبلَ على مدار ثلاثمائة وتسع سنين. لقد غلبت أحوالهم الربانية النورانية على ظواهرهم الطينية، ومن شأن الصادقين ألا يخوضوا في أسرار التجليات التي يختص بها الحق من يشاء من عباده المقربين. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: وجوب التزام التسليم والأدب في التعامل مع أسرار عباد الله المقربين، والاكتفاء بما ظهر من حالهم دون الخوض أو الجدال فيما دق وخفي من عظيم تجليات الحق عليهم.
