عصمة الأزل: طهارة العقل والقلب المحمدي من ظلمات الجاهلية
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
عصمة الأزل: طهارة العقل والقلب المحمدي من ظلمات الجاهلية
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية الكريمة ليؤسس قاعدةً عقديةً صلبةً تنفي عن النبي ﷺ أيَّ تدرجٍ من الجاهلية إلى الإسلام، مؤكداً أنه ﷺ وُلد مكمَّلاً.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مؤسساً لعقيدةٍ راسخةٍ في تنزيه الجناب النبويِّ تقطع دابر الشكوك: انظر يا ولدي إلى هذا القسم الإلهي المهيب: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾؛ فما هو الضلال المنفيُّ عنه هنا نفياً مطلقاً؟ إنه 'ضلال التعامي عن الحق'.
وهذا يثبت بالبرهان الساطع، الذي قرره سيدي الإمام القاضي عياض (المتوفى سنة 544 هـ، إمام المغرب وتاج المحدثين والفقهاء)، أن العقل المحمدي والقلب المحمدي لم تسبق أنوارهما ظلمةٌ قط، ولم تسبق علمه اللدنيَّ جهالةٌ أبداً؛ فهو كمالٌ مخلوقٌ معه منذ البداية.
ويغوص الشيخ في أعماق الإشارة مبيناً أن قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ ينسحب على كل أطوار وجوده ﷺ؛ فلم يمر عليه الضلال في البعثة ولا قبل البعثة، ولا في عالم الشهادة ولا في عالم الغيب.
بل يمتد هذا النقاء إلى الأزل، منذ أن نادى الحقُّ سبحانه وتعالى الحقيقةَ العليا في عالم الذرِّ وقال لها: 'كُوني'، فكانت محمداً ﷺ؛ كما نطق بذلك الحديث الصحيح: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» (أخرجه الإمام الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب فضل النبي ﷺ، برقم 3609، وقال حسن صحيح).
فمنذ تلك اللحظة البدئية، كان ﷺ معدنَ الهدى، ومجلى الصدق، ومستودعَ العصمة.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: ثبوت الكمال المطلق للذات المحمدية في كل أطوارها، وأن النبي ﷺ معصومٌ في باطنه وظاهره عن أدنى شائبةٍ من شوائب النقص البشري.
