معارج الفتح المبين: التدرج من عدل القصاص إلى فضل الصبر بالله
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦ وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
معارج الفتح المبين: التدرج من عدل القصاص إلى فضل الصبر بالله
سياق الإشارة
جاء استشهد الشيخ بخواتيم سورة النحل لبيان السر في التدرج القرآني بين العدل والفضل، ولإبراز العلاقة الحتمية بين الصبر بالمقام الأول وتحقق الفتوحات والمعارج الروحية المتمثلة في سورة الإسراء التي تليها مباشرة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في شرح الحديث، مبرزاً دقة النظم القرآني وكاشفاً عن أسرار الترقي في معارج القلوب ومقامات الإحسان: إن من أراد أن تُفتح له بروج السماوات وتستنير بصيرته، فليتأمل الترتيب العجيب في كتاب الله؛ إذ تأتي سورة الإسراء التي تمثل ذروة الفتح والمعراج الروحاني، بعد سورة النحل التي ختمها الحق جل جلاله بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ * وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
يوضح الشيخ أن الآية تبدأ ببيان حكم العدل وجواز القصاص بالمثل استيفاء للحقوق الظاهرة، لكنها ترتقي بالسالك فوراً إلى مقام الفضل والعفو الذي هو خير وأرفع درجة.
ويؤكد الشيخ جابر بغدادي أن قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ هو السر الحقيقي للفتح؛ فالصبر هنا هو الإسراء الباطني، والصبر هو المعراج الروحاني للمريد.
وهذا التوجيه يربط بين توحيد الأفعال ومقامات السلوك؛ فالعبد لا يعتمد على حوله بل يشهد إمداد الله له بالصبر، وهو ما قرره سيدي الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومحيي علوم الدين) حين ذكر أن الصبر نصف الإيمان، وأن الصبر بالله أعلى من الصبر لله لأنه كمال الشهود والتسليم.
ويشهد لهذا الفضل حديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه الإمام الترمذي في سننه (كتاب البر والصلة) وقال حديث حسن صحيح: «ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
فالشيخ يرشدنا إلى أن من عجز عن هذا المقام فليستعن بكثرة الصلاة على النبي ﷺ، فإنها المفتاح الأعظم لباب الإمداد والصبر الجميل.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الصبر والعفو بالله هما المعراج الروحاني الحقيقي الذي يؤهل العبد لتجليات الإسراء والفتح الرباني؛ فكلما ارتقى المؤمن من عدل القصاص إلى فضل العفو، رفعه الله في مقامات العز والشهود.
