معراج المحبة: سِرُّ المعيَّة الكبرى في الفردوس الأعلى
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
معراج المحبة: سِرُّ المعيَّة الكبرى في الفردوس الأعلى
سياق الإشارة
استشهد الشيخ بهذه الآية وهو يبين قدر "الحب" في ميزان الإسلام، وكيف أنه عمل قلبي يرفع صاحبه إلى مصاف الأنبياء وإن أبطأ به عمل جوارحه.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً مقام المحبة الذي هو معراج القلوب: إن المحبة ليست شعوراً عابراً، بل هي طاقة تسعف السالك إذا أبطأ به العمل، وتُدخله في سرادق قوله تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾. ولهذا المعنى أصل ركين؛ ففي (الجامع الصحيح) للإمام أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ)، سأل الأعرابي: متى الساعة؟ فأجابه المعلم: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»، ولما أقر الأعرابي بفقره من كثير الصيام والصلاة، واعتصم بحب الله ورسوله، بشره بالفيض الأكبر: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». وتتأكد هذه الإشارة وتتجسد في سبب نزول الآية الكريمة، وهو ما أورده المفسرون في قصة ثوبان مولى رسول الله، الذي ذاب شوقاً وتغير لونه خشية ألا يرى النبي في الجنة لارتفاع مقام النبوة وانخفاض مقام العبد، فأنزل الله هذه الآية طمأنينة لأهل المحبة. وليس البشر وحدهم من عرفوا سر هذا العشق يا ولدي؛ فتأمل حال الجمادات التي فهمت أسرار المحبة ونالت شرف المعية! فهذا جبل أحد يقول عنه المختار كما في (صحيح البخاري): «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، فنال هذا الجماد الأصم صفة "المحبوبية". وهذا الجذع اليابس في الروضة يئن ويبكي لفراقه ﷺ صياح الصبي، حتى ينزل الرحمة المهداة ليضمه ويحتويه. فإذا كان الجماد قد دخل في معية القرب بالحب، فأحرى بقلب المريد أن يلج أبواب الصديقين بصدق غنامه لحبيبه ﷺ. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن الحب المخلص لرسول الله ﷺ هو البراق الروحي الذي يطوي مسافات العمل، ليرتقي بالعبد الضعيف فيسكنه في جوار أهل الكمال من النبيين والشهداء.
