تجريد النفس وكمال الأدب: سر البسملة في رسالة النبي الملك
إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠
تجريد النفس وكمال الأدب: سر البسملة في رسالة النبي الملك
سياق الإشارة
جاء هذا الاستشهاد في سياق بيان الفارق الشاسع بين ملوك الدنيا الغارقين في حظوظ النفس، وبين مقامات الأنبياء والعارفين، ليضع قاعدة ذهبية في إنكار الذات والتجرد من الألقاب الوهمية.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مبرزاً معنى جليلاً في مقامات السلوك وتزكية النفس، ومصححاً لداء الكبر وحب الظهور: تأمل يا ولدي كيف يخاطب ملوك الدنيا نظراءهم؛ فهم يبدأون خطاباتهم بتفخيم ذواتهم وتعظيم أسمائهم، مستخدمين ألقاب الجلالة والفخامة لإثبات سطوتهم، وهذا دأب من تعلقت روحه بـ "النفس الأمارة" وحب الرفعة الدنيوية.
لكن سيدنا سليمان عليه السلام، النبي الملك، الذي سخرت له الممالك والجن والرياح، يعلمنا درساً بليغاً في "التجريد" وكمال الأدب مع الله، حين قرر مكاتبة مملكة سبأ. لقد أرسل رسالته الخالدة التي خلدها القرآن، مجرداً نفسه من أي وسام أو منصب، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
انظر يا ولدي إلى هذا المشهد الروحاني المهيب؛ كيف جرد نفسه من كل لقب دنيوي، وذكر اسمه هكذا عارياً عن التعظيم، ليكون في محض مقام العبودية، ثم أردف بوصف ربه مقدماً إياه بالبسملة الشريفة، ليثبت أن الجلال والكمال كله للملك الحق جل جلاله. وهذا عين ما يقرره سادتنا العارفون كالإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ، قطب العارفين وإمام الطائفة الشاذلية)، حيث يؤكدون أن العبد لا ترتقي بصيرته إلا بإسقاط رؤية النفس وحظوظها.
إن طريقنا هذا مبني على التواضع والانكسار، فكلما تضاءل العبد في عين نفسه، عظم في عين ربه. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن كمال العبودية يقتضي تجريد النفس من كل دعوى للرفعة والمقام، وأن من عرف قدر نفسه بالافتقار التام، تنزلت عليه أنوار الكمال والجلال، فلا يرى لنفسه فضلاً أو لقباً أمام عظمة مولاه.
