شهود المنة وغلبة الأدب: التواضع في محراب الحقيقة والتمكين
قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠
شهود المنة وغلبة الأدب: التواضع في محراب الحقيقة والتمكين
سياق الإشارة
ورد هذا الاستشهاد لبيان كيف ينتصر التواضع وشهود الفضل الإلهي على استعراض القدرات والمواهب، محذراً السالكين من العُجب والاعتماد على الأسباب.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى عظيم في شهود المنة ومحذراً من داء العُجب الفتاك: لما جمع سيدنا سليمان وزراءه وحكماءه وأولياء زمانه، وطلب منهم إحضار عرش بلقيس، تبارت القوى وتسابقت القدرات؛ فمنهم من قال آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، ومنهم من قال آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. كل من حضر استعرض قدراته وإمكانياته، وهذا هو حال من يقف مع "الأسباب" الظاهرة. ولكن،
انظر يا ولدي بعين بصيرتك إلى نبي الله، كيف كان حاله؟ يقول القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. وهذا يؤكد المعنى الجليل الذي أصله الشيخ سابقاً في الآية الأولى؛ فهو لم ينسب الإنجاز لنفسه قط، لم يقل: هذا بعلمي، ولا بقوة جنودي، ولا بسطوة ملكي، بل تبرأ من حوله وقوته ونسب الفضل لمسديه. لقد غلب نبي الله سليمان قدرات الجن والأولياء في زمانه بـ "كمال أدبه مع الله".
تأمل يا ولدي حاله؛ لقد كان على عرش الملك، يدير شؤون المملكة بحزم وقوة في الظاهر، لكنه كان في الباطن في حالة "خضوع وسجود" قلباً وقالباً لصاحب العرش سبحانه. وهذا هو التوازن الفريد بين الشريعة والحقيقة، وهو مصداق ما جاءنا به الحبيب المصطفى ﷺ كما روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب التواضع): «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». فالعبد العارف، كما يعلمنا ساداتنا كالإمام بشر بن الحارث الحافي (ت: 227 هـ، إمام الزاهدين وسيد العارفين في زمانه)، لا يرى لنفسه استحقاقاً في نعمة، بل يرى عجزه وافتقاره في كل طاعة وتمكين.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن أعظم الكرامات ليس في خرق العادات أو استعراض القدرات، بل في دوام شهود فضل الله عليك، وأن تقف في مقام الافتقار وأنت في أعلى قمم التمكين، فبذلك يتحقق كمال العبودية.
