هجرة المرادات وثمرة التسليم لزراع الأقدار
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
هجرة المرادات وثمرة التسليم لزراع الأقدار
سياق الإشارة
جاء استشهاد الشيخ بهذه الآية الكريمة في سياق مواساة القلوب التي تتألم وتتخبط لفوات مراداتها الدنيوية، ليضع قاعدة روحانية جليلة تؤصل لمعنى الرضا والتسليم المطلق لاختيار الله، محذرا من منازعة الأقدار وموجها بوصلة القلب نحو الطمأنينة.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مؤسساً لمعنى جليل يداوي حيرة النفوس وانكسارها أمام تفاوت الأقدار: يا ولدي، إن الإنسان مجبول على التعلق بأمانيه، فتراه يسعى لمراد، فيأتيه مراد آخر؛ يطمح لدخول كلية معينة فتأتيه غيرها، ويرجو الولد فتُرزق له البنت، ويأمل في الهندسة فيُساق للطب، وكأن لسان حاله يشتكي من ثمار لم يزرعها. وهنا يوجهنا الشيخ إلى الدواء الأعظم، وهو الرجوع إلى سر الله في سورة الواقعة، متأملا قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. هذه الآية، يا ولدي، ليست مجرد تذكير بنعمة الزرع المادي للتربة، بل هي إشارة صوفية باهرة إلى "زرع الأقدار" في حقل الحياة. فإذا رأيت أن ما زرعته من جهد وتخطيط قد أثمر غير ما توقعت، فلا تحزن ولا تجزع؛ لأن الزارع الحقيقي، والمدبر المطلق لغيبك هو الله جل جلاله. ومن هنا ينبثق كمال الأدب مع الله، والذي لخّصه الشيخ في أربعة أركان متينة: شكر النعمة، والقناعة بالحكمة، والرضا بالقسمة، وحفظ الحرمة.
ويغوص الشيخ ليربط بين هذا التسليم العظيم وبين المعنى الحقيقي للهجرة، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، حديث رقم 1). فالهجرة الحقيقية يا بني ليست انتقالاً بالبدن من أرض إلى أرض، بل هي الخروج من مراداتك الضيقة إلى مراد سيدك الواسع، فإذا أقامك الله في موضع، ورضيت به، تحول هذا الموضع إلى جنة في قلبك.
التسليم يقتضي ألا ننازع الحق في اختياره، وهذا يذكرنا بحكمة الإمام تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، إمام الطريقة الشاذلية وعلم من أعلام التصوف)، حين أشار إلى إراحة النفس من عناء التدبير مع المدبر سبحانه. ويستطرد الشيخ مبرزاً أسرار العوض الرباني لمن سلم زراعة عمره لله وهجر هواه؛ فمن زهد في المملكة لله، أورثه الله الملك كله. ولهذا تعمد الحديث الشريف السابق ألا يحدد جزاءً مادياً للمهاجر إلى الله كالجنة، بل جعل العوض هو "الله ورسوله"، لأنك تركت على قدرك المحدود، فكان العوض على قدره سبحانه اللامحدود. فمن ترك الحرام الدنيوي، كمن يرفض إمضاء ورقة مشبوهة تجلب له أموالاً يركب بها السيارات الفارهة، فإنه بترك ذلك فراراً إلى الله، يجد الله ذاته. فمن عاش ممتلئ الجيب بحطام الدنيا الفاسد مات مقتولاً بالتفكير والقلق على غده، ومن امتلأ قلبه بنور اليقين عاش حياً كريماً. فإذا صفا العبد وعرف المصطفى، استوى عنده الفقد والموجود، ولم يعد يحزن على مفقود ولا يفرح بموجود، لأن الله يتولاه ويقول له متحنناً: "أنت حكايتك عندي".
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن التدبير البشري محض سراب أمام إرادة الخالق، وأن الرضا بثمار الأقدار التي يزرعها الله لك هو عين الأدب، فمتى تخلى العبد عن مراداته وهوى نفسه، كان عوضه الأكبر هو الفوز بمعية الله والقرب منه.
