معراج الصلاة: من محنة الكلفة إلى منحة الشرفة
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
معراج الصلاة: من محنة الكلفة إلى منحة الشرفة
سياق الإشارة
كان الشيخ يضع قاعدة روحية للسالكين في شهر رمضان، مبدداً وهم الكسل، وموضحاً كيف يتحول الصيام والصلاة من مجرد أداء حركي لدرء النار إلى غاية بحد ذاتها ومعراج يطوي مسافات البعد بين العبد وربه.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية، مؤسساً لمعنى جليل في مدارج السالكين: إن الصيام يا ولدي ليس مجرد امتناع عن المفطرات، بل هو دواء ناجع و"حرية من الكسل"، يرفع عن القلب حجب الغفلة، وينقله من ضيق "محنة الكلفة" إلى فضاء "منحة الشرفة". فإذا صفا القلب بالصيام، لم تعد الصلاة مجرد حركات تُؤدى لدرء عذاب النار، بل تصير هي في ذاتها الجنة المبتغاة، وتغدو الصلاة غاية وشفاء. وقد أشار الشيخ ببراعة إلى أن الصلاة تتحول في حق المُحب إلى معراج روحي، يُنسى فيه الهم وينطوي فيه طور الألم. فما إن يكبر العبد قائلاً "الله أكبر"، حتى ينبسط له بَرَاق الشوق، وإذا قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ استفتح بها أبواب سبع طباق؛ فتتفتح السماء الأولى ببركة الفاتحة. ثم يتدرج العبد في معراجه؛ فبالركوع تُفتح السماء الثانية، وبالتسبيح تُفتح الثالثة، وبرفع الرأس والحمد تُفتح الرابعة. وحين يخر ساجداً لله، ينطوي مقامه في السماء الخامسة، ليرفع مسبحاً ومستغفراً فتُفتح له السادسة. حتى إذا سجد السجدة الأخيرة، استقر في "مقام القرب" المذكور في الآية، وانفتحت له السماء السابعة، وآن لقاء العبد وتشهده في حضرات المحبوب. ولكن الشيخ استدرك هنا بحكمة بالغة، موضحاً أنه لا سبيل للفتح ولا دخول للحضرة إلا من باب الحبيب المصطفى، ولذلك شرع لنا أن نقول: "السلام عليك أيها النبي". وهذا يتوافق تماماً مع ما قرره العارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، صاحب الحكم العطائية وأحد أساطين التصوف)، من أن النبوة المحمدية هي الواسطة العظمى التي لا يصح وصول بدونها. فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: أن السجود ليس انخفاضاً نحو الأرض، بل هو عروج بالروح لاختراق السماوات السبع وصولاً إلى مقام القرب الذاتي، وأن هذا الترقي الروحي في الصلاة لا يكتمل ولا يُقبل إلا بالدخول من بوابة المحبة والتسليم لسيدنا رسول الله.
