برهان العصمة والفرار إلى الله في مقام الاصطفاء
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
برهان العصمة والفرار إلى الله في مقام الاصطفاء
سياق الإشارة
ذكر الشيخ هذه الآية كأعظم تطبيق عملي لمقام "المُخلَص" الذي يُصرف عنه السوء وتندفع عنه الفتن ببرهان اليقين، متجسداً في قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز.
نص الإشارة
قال الشيخ جابر بغدادي في تفسير الآية مُستجلياً أنوار العصمة النبوية ومُبيناً كيف يتدخل اللطف الإلهي لإنقاذ أوليائه المجتبين: انظر يا بني إلى مشهد الفتنة الأعظم حين أُغلقت الأبواب وانقطعت الأسباب الدنيوية، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
إن الفهم الإشاري العالي هنا يُنزه ساحة النبوة، فالهمّ من جانبها كان همّ رغبة وجذب وطلب لارتكاب الخطيئة، أما الهمّ من جانبه عليه السلام فكان همّ ترك ودفع وهروب من الخطيئة إلى رحاب الله.
ويؤكد هذا المعنى الجلي ما ذكره الشيخ في الإشارة السابقة عن مقام (المُخلَص)؛ فيوسف عليه السلام لم ينجُ بمجرد جهده البشري المحض، بل لأنه كان من ﴿عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، أي الذين اصطفاهم الله، فكان "مصروفاً عنه فعل السوء"، محفوظاً بحفظ الله.
لقد تجلى له (برهان ربه)، وهذا البرهان هو نور اليقين الذي يفيض على قلب العبد المُخلَص فيجعله يرى حقارة المعصية في جنب جلال الله وعظمته، فيكون هروبه فراراً إلى الله، ومِنحةً ربانية تصرف عنه الفحشاء قبل أن تدنو منه، تصديقاً لمقام الاجتباء الأسمى.
فمن معاني الآية الواسعة وإشاراتها: إن اللطف الإلهي يحيط بعباد الله المصطفين في أحلك لحظات الفتنة، فيصرف عنهم السوء والفحشاء ببرهان اليقين الذي يغمر قلوبهم، فتنقلب الفتن في حقهم إلى مقامات ارتقاء وثبات.
