التوثيق الأكاديمي والتحقيق التراثي لدرس: هل تشتاق تقبل يد النبي - للشيخ جابر بغدادي
تفريغ الكلمة المباركة
بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى؟ سِرُّ اليدِ المحمديَّةِ بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى يا ولدي؟ تأمَّلْ معي في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽¹⁾، انظر إلى الأداةِ «إِنَّمَا»، إنَّها تُفيدُ الحصرَ والتوكيدَ المطلقَ؛ ولم يقلِ الحقُّ «كأنَّما»، فلو قالَ «كأنَّما» لكانَ في الأمرِ تشبيهٌ أو مجازٌ، ولكنَّهُ أثبتَ الحقيقةَ اليقينيَّةَ: إنَّ مبايعتَهم لكَ هيَ عينُ مبايعتِهم للهِ، على سبيلِ التَّوكيدِ.
ثمَّ هلمَّ بنا يا ولدي نُمسِكُ بالنِّصفِ الثاني منَ الآيةِ الكريمةِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، سَلْ نفسَكَ: لِمَ قالَ: «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» بصيغةِ الغائبِ، ولم يقلْ «فوقَ أيديكم» بصيغةِ المخاطبِ؟ فأينَ يدُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في هذا السِّياقِ؟ أينَ ذهبتْ؟ لقد بايعَ اللهُ بها الخلقَ! مِرآةُ الحقيقةِ: بَيْنَ نُورِ المـُصْطَفَى وَظُلْمَةِ الهَوَى هذا كُلُّهُ يا ولدي إنْ نحنُ وقفنا عندَ تلكَ الفئةِ الجافيةِ التي يزعمُ أحدُهم بجهلٍ ويقولُ: «أنا مِثلي مِثلُهُ، هوَ بشرٌ وأنا بشرٌ!»..أيزعمُ زاعمٌ أنَّكَ مِثلُهُ؟ ويحَكَ! قِفْ أمامَ المرآةِ يا ولدي وانظرْ إلى نفسِكَ، ثمَّ حوِّلْ بصرَكَ لترى مَن هوَ! تعالَ أُخبِركَ بأمرٍ عجبٍ؛ انظرْ إلى سيِّدِنا أبي هريرةَ⁽²⁾ (ت: ٥٩ هـ)، راويةِ الإسلامِ وحافظِ العصرِ النَّبويِّ، وهو يصفُ تلكَ الطَّلعةَ البهيَّةَ قائلاً: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ»⁽³⁾.
واستمعْ بقلبِكَ إلى هندِ بنِ أبي هالةَ التَّميميِّ⁽⁴⁾ (ت: ٣٦ هـ)، ربيبِ بيتِ النُّبوَّةِ ووصَّافِ الشَّمائلِ، وهو يصفُهُ فيقولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»⁽⁵⁾.
فبعدَ هذا يا ولدي، كيفَ تزعمُ أنَّكَ مِثلُهُ؟ قِفْ أمامَ المرآةِ وأَرِنا ماذا ستكونُ؟ التقطْ لنفسِكَ صورةً في ميزانِ الصِّدقِ، وانظرْ ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ؟ وإلى أيِّ حَدٍّ أوصلَكَ الإقبالُ على هذهِ الدُّنيا؟ ثمَّ دعني أتنَزَّلُ معَكَ في الخطابِ يا ولدي، وافترضْ معي أنَّ وجهَكَ منيرٌ، وأبيضُ اللَّونِ، قسيمُ الملامحِ، بهيُّ الطَّلعةِ، تضربُ إليكَ أكبادُ الإبلِ وتُشيرُ إليكَ الأصابعُ بالحُسنِ..تعالَ أُلقِ في رُوعِكَ سِرّاً، واقرأْ معي بلسانِ الوجْدِ: تَجَلِّي الأَنْوَارِ: وَجْهٌ وَاجَهَ المـَوْلَى وَعَيْنٌ رَأَتِ الْحَقَّ فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى قِفْ هنا يا ولدي وسَلْ نفسَكَ: أنتَ، وجهُكَ هذا واجهَ مَن؟ واجهَ الدُّنيا، أمَّا وجهُ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقد كانَ مرآةَ انعكاسٍ للتَّجلِّي الإلهيِّ الأكبرِ! حتَّى إنَّ الإمامَ العارفَ عبدَ السَّلامِ بنَ مَشيشٍ⁽⁶⁾ (ت: ٦٢٥ هـ)، قطبَ أقطابِ المغربِ وأستاذَ الطَّريقةِ، لمَّا أرادَ أن يصفَهُ قالَ: «وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ»⁽⁷⁾؛ فالخلائقُ كُلُّهم في الوراءِ، وسيِّدُنا النَّبيُّ في صَدْرِ الحضرةِ، فكيفَ يمدحُ مخلوقٌ وجهاً واجهَ المـَوْلى؟ فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى أَنوارُهُ سَطَعَت مِنْ نُورِ باريها قِف يا لِسانُ تَغَنَّى فِي شَمائِلِهِ بِالعَجْزِ فِي نُورِ طَهَ وَياسِينَا العُنُقُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ قُلْتَ أَو ذَهَبٍ سَطَعَت لَوامِعُهُ تَبْدُو لَنا عَيْنُه كُحلُ الشُّهودِ لَدى عَيْنَيْهِ مُزْداناً بَلْ أَبْلَجُ طاهِرُ العَيْنَيْنِ ياسينا هذا كُلُّهُ يا ولدي حينَ نتحدَّثُ عنْ موازنةِ وجهِكَ بوجهِهِ، فكيفَ إذا انتقلنا إلى العينِ؟ أفتكونُ عينُكَ كعينِهِ؟ ويحَكَ..إنَّ عينَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد رأتْ ربَّها!⁽⁸⁾
بيان التوثيق العلمي
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (هل تشتاق لتقبيل يد النبي؟ أسرار الجمال النبوي في حديث الدكتور جابر بغدادي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الواسطة العظمى وتجلّيات النور المحمدي في فكر الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الأدب مع الجناب النبوي: أسرار البيعة ومقامات المحبة في مدرسة الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أدبُ السُّلوكِ ومِرآةُ القلوب: من ظُلْمَةِ النَّفسِ إلى أنوارِ المـُصْطَفَى في مدرسةِ الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أُداوي جَفوةَ قلبي وأُحيي مَقامَ التَّوقيرِ والاشتيياقِ لِرسولِ اللهِ ﷺ؟)الأسئلة
