Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
محبة رسول الله ﷺسؤال من مُحبٌّ يبحثُ عنْ دَواءِ قَسوَةِ قَلبِهالسؤال رقم 1

السؤال

كيف أُداوي جَفوةَ قلبي وأُحيي مَقامَ التَّوقيرِ والاشتيياقِ لِرسولِ اللهِ ﷺ؟

أعاني يا سيدي من قَسوةٍ وجَفوةٍ غريبةٍ في قلبي كلَّما ذُكرَ النَّبيُّ ؛ فقد تأثَّرتُ ببعضِ الخطاباتِ الجافيةِ التي تُكرِّرُ على مسامعنا ليلَ نهار: "هو مجرَّدُ بشرٍ مثلنا، وُلدَ ومات، وأنا مِثلي مِثلُه!"..ورغمَ علمي اليقينيِّ بأنَّهُ رسولُ الله، إلَّا أنَّ هذا المفهومَ المـُتصلِّبَ قد سرقَ منِّي لَذَّةَ الاشتيياقِ إليه، وحرمني منَ البكاءِ شوقاً لِرؤيتِه، وأشعرُ أنَّ في هذا الادِّعاءِ كِبراً خفيّاً يمنعُ قلبي منَ الخضوعِ لِأنوارِ سُنَّتِه.فكيفَ أُداوي هذهِ الجَفوة، وأُعيدُ لِقلبي مَقامَ التَّعظيمِ والأدبِ معَ الجَنابِ النَّبويِّ دونَ أن أُخِلَّ بعقيدةِ التَّوحيد؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا التَّساؤلَ الذي يئنُّ بهِ وجدانُكَ هوَ أوَّلُ طريقِ الشِّفاء؛ فإنَّ إدراكَكَ لِهذا "الكِبرِ الخفيِّ" هوَ يقظةٌ منَ اللهِ لِقلبِك.ودواءُكَ يكمنُ في "إعادةِ ضبطِ مَرايا القلوب" على مَوازينِ القرآنِ الكريمِ والشَّمائلِ المـُحمَّديَّةِ، كما يُعلِّمُنا أطبَّاءُ القلوبِ، وفي طليعتِهم فضيلةُ الدكتور جابر بغدادي.
الخطوةُ الأُولى في العلاج: فَهمُ سِرِّ النِّيابةِ في المـُبايعةِ الإلهيَّة سَلْ نفسَكَ يا ولدي هذا السُّؤالَ الكاشف: بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى؟ افتحْ مَسامعَ قلبِكَ لِقولِهِ تعالى في سورةِ الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾؛ انظرْ إلى الأداةِ القرآنيةِ «إِنَّمَا»، إنَّها تُفيدُ في لغةِ العربِ الحصرَ والتَّوكيدَ المطلق، ولم يقلِ الحقُّ "كأنَّما"، فلو قالَ "كأنَّما" لكانَ في الأمرِ تشبيهٌ أو مَجاز، ولكنَّهُ أثبتَ الحقيقةَ اليقينيَّة: إنَّ مُبايعتَهم لِكَ هيَ عينُ مُبايعتِهم للهِ على سبيلِ التَّوكيد.
ثمَّ هلمَّ بنا نُمسكُ بالنِّصفِ الثَّاني منَ الآيةِ الكريمة: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ لِمَ قالَ سبحانَهُ: «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» بصيغةِ الغائب، ولم يقلْ "فوقَ أيديكم" بصيغةِ المـُخاطب؟ فأينَ يدُ النَّبيِّ في هذا السِّياق؟ أينَ ذهبتْ؟ والجوابُ الذي يكسرُ جَفوةَ العقل: لقد بايعَ اللهُ بها الخلق! فقد فنيتْ إرادتُهُ البَشريَّةُ في إرادةِ مُرسِلِهِ، فصارتْ يدُهُ الشَّريفةُ هيَ المـَجلى الأطهرَ لِعُهودِ اللهِ معَ عِبادِه.الخطوةُ الثَّانية: الانكسارُ أمامَ "مِرآةِ المـُحاسبة" أمَّا تلكَ النَّزعةُ المـَريضةُ التي تقولُ: "أنا مِثلي مِثلُه، هوَ بشرٌ وأنا بشر"..فيا ولدي، أيزعمُ زاعمٌ أنَّكَ مِثلُه؟ ويحَكَ! قِفْ أمامَ المرآةِ وانظرْ إلى نفسِك، ثمَّ حوِّلْ بصرَكَ لِترى مَن هوَ! التقطْ لِنفسِكَ صورةً في ميزانِ الصِّدقِ وانظرْ: ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ؟ وإلى أيِّ حَدٍّ أوصلَكَ الإقبالُ على هذهِ الدُّنيا؟ إنَّ مُساواتَكَ بالنَّبيِّ تحتَ شِعارِ التَّوحيدِ هيَ في حقيقتِها حِيلةٌ نَفسيَّةٌ خَبيثة؛ تريدُ بها النَّفسُ المـُثقلَةُ بالْغَفلةِ أن تسحبَ المـَقامَ المـَعصومَ إلى حضيضِ نقصِها.داوِ كِبرَكَ يا ولدي بمطالعةِ أوصافِهِ في الصِّحاح؛ طالعْ ما رواهُ الإمامُ أبو هريرةَ الدَّوسيُّ (المتوفى سنة ٥٩ هـ، أحفظُ الصَّحابةِ ومُقدَّمُ رُواةِ الأثر) فيما أخرجهُ الإمامُ التِّرمذيُّ في "جامعهِ الصَّحيح، أبواب المناقب، حديث رقم ٣٦٤٨" وهوَ يصفُ تلكَ الطَّلعةَ البَهيَّةَ قائلاً: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ».
واستمعْ بقلبٍ خاشعٍ إلى الإمامِ هندِ بنِ أبي هالةَ التَّميميِّ (المتوفى سنة ٣٦ هـ، ربيبِ بيتِ النُّبوَّةِ ووصَّافِ الشَّمائل) فيما أخرجهُ التِّرمذيُّ في "الشَّمائلِ المـُحمَّديَّة، باب خَلْقِ رسولِ الله، حديث رقم ٧" وهوَ يصفُهُ فيقول: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ».
فبعدَ هذا، كيفَ تزعمُ أنَّكَ مِثلُه؟ الخطوةُ الثَّالثة: شُهودُ مَقامِ "الْحِجابِ الأعظم" ثمَّ دعني أتنَزَّلُ معَكَ في الخطابِ يا ولدي، وافترضْ معي أنَّ وجهَكَ مُنيرٌ، وأبيضُ اللَّونِ، وقسيمُ المـَلامح، والْخلقُ كُلُّهم يضربونَكَ عليهِ إعجاباً..تعالَ أُلقِ في رُوعِكَ سِرّاً، واقرأْ معي بلسانِ الوجْدِ قولَ القائل: "فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى" قِفْ هنا وسَلْ نفسَك: أنتَ، وجهُكَ هذا واجهَ مَن؟ لقد واجهَ الدُّنيا والتُّراب، أمَّا وجهُ سيِّدِنا رسولِ اللهِ فقد كانَ مِرآةَ انعكاسٍ للتَّجلِّي الإلهيِّ الأكبر! حتَّى إنَّ الإمامَ العارفَ باللهِ عبدَ السَّلامِ بنَ مَشيشٍ الحَسَنيَّ (المتوفى سنة ٦٢٥ هـ، قُطبَ أقطابِ التَّصوُّفِ في المـَغرب) لمَّا أرادَ أن يصفَهُ في صلاتِهِ المـَشيشيَّةِ قال: "وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ"؛ فالْخلائقُ كُلُّهم في الوراءِ، وسيِّدُنا النَّبيُّ في صَدْرِ الحضرةِ، فكيفَ يمدحُ مَخلوقٌ وجهاً واجهَ المـَوْلى؟ "فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى" "أَنوارُهُ سَطَعَت مِنْ نُورِ باريها" "قِف يا لِسانُ تَغَنَّى فِي شَمائِلِهِ" "بِالعَجْزِ فِي نُورِ طَهَ وَياسِينَا" "العُنُقُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ قُلْتَ أَو ذَهَبٍ" "سَطَعَت لَوامِعُهُ تَبْدُو لَنا عَيْنُه" "كُحلُ الشُّهودِ لَدى عَيْنَيْهِ مُزْداناً" "بَلْ أَبْلَجُ طاهِرُ العَيْنَيْنِ ياسينا" وهذا كُلُّهُ يا ولدي حينَ نتحدَّثُ عنْ مُوازنةِ وجهِكَ بوجهِه، فكيفَ إذا انتقلنا إلى العين؟ أفتكونُ عينُكَ كعينِه؟ ويحَكَ..إنَّ عينَهُ قد رأتْ ربَّها! كما أثبتهُ الإمامُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ (المتوفى سنة ٦٨ هـ، حَبرُ الأُمَّةِ وتُرجمانُ القرآن) فيما أخرجهُ مسلمٌ في "صحيحه، كتاب الإيمان، حديث رقم ١٧٦".
فَدواءُ جَفوتِكَ أن تكسرَ صنمَ "أنا" في داخلك، وتُسلِّمَ لِسيِّدِكَ ومَولاكَ، وتكثرَ منَ الصَّلاةِ عليهِ باستحضارِ هذهِ المـَهابة، فَيَسري نورُهُ في قلبِكَ سَريانَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماء.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.