بقلم: الشيخ جابر بغدادي
رجل ليس نبيا كلمه الله كفاحا من غير حجاب: نسمات روحانية من غزوة أحد
رجل ليس نبيا كلمه الله كفاحا من غير حجاب: نسمات روحانية من غزوة أحد
في رحابِ ديارِ الحبيبِ ومقاماتِ الشُّكرِ للهِ ورسولِه
"دارُ الحبيبِ أحقُّ أن تهواها، وتحنَّ من شوقٍ إلى رؤياها. دارٌ بها نزلَ الكتابُ مفصَّلاً، يُتلى على خيرِ البريَّةِ طه. دارٌ بها جبريلُ يمشي راجلاً، شَرُفَت بهِ الغبراءُ إذ وافاها"⁽¹⁾.
هلمَّ بنا يا ولدي لنعيشَ الليلةَ لحظاتٍ يسيرةً، نتفيأُ فيها ظلالَ المواقفِ النبويةِ الشريفةِ، ونطوفُ بين مشاهدِ "الكمالِ" و"الأكملِ" في سيرةِ الحبيبِ المصطفى صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه. تأملْ معي يا ولدي موقفَ أُمِّ المؤمنينَ السيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها في حادثةِ الإفكِ؛ حينما دخلَ عليها النبيُّ ﷺ يبشرُها بأنَّ السماءَ قد نطقتْ ببراءتِها، وأنَّ قرآناً يُتلى قد نزلَ في حقِّها. حينئذٍ، التفتَ إليها الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه قائلاً: "اشكري رسولَ الله". فأجابتْ من فورِها: "لا، بل أشكرُ الله"⁽²⁾.
وهنا يتدخلُ العارفُ باللهِ، تاجُ الدِّينِ الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ⁽³⁾ ليفكَّ لنا أزرارَ هذه المعاني الدقيقةِ قائلاً: إنَّ صنيعَ السيدةِ عائشةَ وقولَها كانَ هو "الكمالَ"، بيدَ أنَّ رأيَ الصِّدِّيقِ أبي بكرٍ كان هو "الأكملَ". وكيف لا يا ولدي؟ وقد أخبرنا المعصومُ ﷺ في الأثرِ الصحيحِ أنَّ اللهَ تعالى قال: «لم يشكرني من لم يشكر من أجريتُ النعمةَ على يديه»⁽⁴⁾. لقد كان أبو بكرٍ رضي الله عنه يدركُ بعينِ البصيرةِ أنهُ لا يكتملُ شكرُ اللهِ جلَّ جلالهُ حقَّ الاكتمالِ، إلا بشكرِ الواسطةِ العُظمى والنعمةِ المُهداةِ، سيدنا محمدٍ ﷺ.
احذر يا ولدي أن تفصلَ بين المنبعِ والمجرى، فهذه الكعبةُ المشرَّفةُ أمامك، وهذا أنت، فهل يجوزُ لمن صلَّى ونسيَ القِبلةَ أن تُقبلَ صلاتُه؟ كما قال سادتُنا العارفونَ في أشعارِهم: "وقدِّم إماماً كنتَ يوماً إمامَهُ.. وصلِّ صلاةَ الفجرِ في أولِ العصرِ. فهذه صلاةُ العارفينَ باللهِ يا فتى.. إن كنتَ منهُم فانضحِ البَرَّ بالبحرِ"⁽⁵⁾. إنَّ التطاولَ على السُّنةِ المطهَّرةِ لا يقتصرُ على الابتداعِ في الدِّينِ فحسب، بل إنَّ أشدَّ أنواعِ التطاولِ جرأةً هو أن تستصغرَ مقامَ نبيِّنا الشفيعِ المُشفَّعِ، وأن يخيلَ إليكَ وهمُكَ أنكَ تصلُ إلى اللهِ بغيرِ بابِه. ولتسألْ نفسكَ يا ولدي: لِمَ جعلَ اللهُ الركنَ الأولَ للإسلامِ شهادةَ أن لا إله إلا الله، ثم قرنها بشهادةِ أن محمداً رسولُ الله، قبلَ إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ والحجِّ والصيامِ؟ السرُّ هنا يكمنُ في أن العبدَ، بعد إقرارِهِ بالتوحيدِ، لا يَصلُحُ أن يُدرجَ في سلكِ العبيدِ المقبولينَ إلا إذا أتى من طريقِ سيدِ المرسلينَ، محمدٍ ﷺ.
تجرُّدُ المُحبِّينَ.. سيرةُ مُصعبَ بنِ عُميرٍ
دعني أنتقلُ بكَ يا ولدي إلى مشهدٍ آخرَ تقشعرُّ لهُ الأبدانُ، مشهدِ سيدنا مُصعبِ بنِ عُميرٍ رضي اللهُ عنه، ذاكَ الفتى الذي قُتلَ شهيداً ولم يجدوا له ثوباً يكفي لتكفينِهِ⁽⁶⁾، فوقفَ النبيُّ ﷺ على جثمانِهِ باكياً. لقد كان مصعبُ أزهرَ شبابِ مكةَ وأجملهم، كان إذا مرَّ في طُرقاتها عبقَ المكانُ بعطرهِ الفوَّاح. هل تعلمُ يا ولدي ما الذي غيَّرَ حالهُ؟ يومَ أن أسلمَ ودخلَ النورُ قلبَه، تبدَّلتْ أحوالهُ ولزمَ الصمتَ والسكينةَ. فلما رأتهُ أمُّهُ على هذه الحالِ، أدركتْ بحسِّها أنَّ هُناكَ سراً، فقالت: "إنَّ عُميراً صغيرَنا الحبيبَ لابدَّ وأنهُ قد أَحَبَّ".
نعم يا ولدي، لقد أصابتْ كبدَ الحقيقةِ.. لقد أَحَبَّ! ولكن أيَّ حُبٍّ؟ لقد أَحَبَّ نبيَّهُ ومُصطفاه. ألا ترى أن الفتى متى شغفَ قلبُهُ بمحبوبةٍ تغيرت أحوالهُ؟ فكيفَ بمن تعلَّقَ قلبُهُ بسيدِ الوجودِ؟ وكما قيلَ في لسانِ المحبةِ: "أهونُ عليكَ يا فتى لو أنَّ مَن تُريدُها تقيمُ في القمرِ، لو أنها عصيَّةٌ طويلةُ السفرِ، لو أنها تقيمُ بجناحِ طائرٍ، لأتى بها إليكَ قبلَ لمحةِ البصرِ". انظر إلى هذا الشابِ المُدلَّلِ، كيف تجرَّدَ من كلِّ زينةٍ حين اختارهُ النبيُّ ﷺ ليكونَ أولَ سفيرٍ للإسلامِ. لقد "خَلَعَ العِذار" كما يعبِّرُ سادتُنا الصوفيةُ، وتركَ الأوزارَ، وغرقَ في بحارِ الأنوارِ، وخرجَ مبشراً بالنبيِّ المختارِ، فَنالَ بذلك مقاماً يُضاهي مقاماتِ الأنبياءِ في التبشيرِ.
مَقامُ النَّبيِّ بينَ الأنبياءِ والاصطفاءِ الإلهيِّ
تأملْ يا ولدي في مقاماتِ الأنبياءِ؛ فإنَّ سيدنا إدريسَ عليه السلام كان مع كلِّ غرزةِ إبرةٍ في خياطتِهِ يُصلي على النبيِّ، فكافأهُ اللهُ بقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾⁽⁷⁾. وأما سيدنا عيسى عليه السلام، الذي بشَّرَ بمقدمِ سيدنا أحمدَ، فقد قال اللهُ في حقِّه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽⁸⁾. وهُنا ومضةٌ يجبُ أن تتنبهَ لها؛ فإدريسُ قُبضَ في السماءِ الرابعةِ فانتهى إلى "مكانٍ"، بينما عيسى استقرَّ في "مكانةٍ"، ولذلك قال اللهُ ﴿إِلَيْهِ﴾ والضميرُ عائدٌ على الذاتِ العليةِ.
وفي هذا السياقِ، نلمسُ إشارةً لطيفةً من إشاراتِ العارفين؛ فالنبيُّ ﷺ يُخبرنا في حديثِ الشفاعةِ أنَّ الخلائقَ يفزعونَ يومَ القيامةِ إلى عيسى عليه السلام، فيقولُ لهم: «لستُ لها» ولا يذكرُ لنفسهِ ذنباً⁽⁹⁾. وهل تدري لِمَ لم يُذكر لهُ ذنبٌ؟ لأنهُ كان يبشرُ بـ "أحمد". فإنَّ من يمدحُ النبيَّ، ويُحبُّ النبيَّ، ويُنادي عليهِ ويتغزلُ في جمالِهِ، ويُصححُ مفاهيمَ الأمةِ عن نبيِّها؛ يعصمهُ اللهُ ببركةِ هذا الحُبِّ ويسترُ زلاتِه.
سيفُ الحَقِّ وتأييدُ المؤيَّدِ المَنصورِ
وفي معركةِ ذاتِ بأسٍ، يرفعُ النبيُّ ﷺ سيفاً ويُنادي في أصحابهِ: «من يأخذُ هذا السيف؟» فتشرأبُّ الأعناقُ، وتتطلَّعُ نفوسُ الصحابةِ لنيلِ هذا الشرفِ. ثم يقولُ ﷺ: «من يأخذهُ بحقِّهِ؟»⁽¹⁰⁾. فهنا برزَ الفطنةُ والذكاءُ من سيدنا أبي دُجانةَ رضي الله عنه، فقال: "وما حقُّهُ يا رسولَ الله؟" فأجابهُ ﷺ: «أن يقاتلَ بهِ اليومَ حتى ينكسر».
قفْ هنا يا ولدي متأملاً: لماذا قال ﷺ «حتى ينكسر»، ولم يقل "حتى تُقتلَ بهِ" فتكونَ الشهادةُ هي الغايةَ الأكمل؟ يُجيبُنا أهلُ البصائرِ: لأنَّ مَن يحملُ سيفَ النبيِّ ﷺ ويأخذُ منهُ العطاءَ فهو "مَنصورٌ" لا محالةَ، ومَن تدرعَ بمددِ المصطفى لا يُغلبُ ولا يُقهر. حتى لو أعطاهُ عصاً ليقاتلَ بها لقاتلَ بها وانتصر. هذه الإشاراتُ الدقيقةُ في السيرةِ النبويةِ تستوجبُ منا أن نقرأها بعينِ الحُبِّ واليقينِ، وعقيدةٍ راسخةٍ في كمالاتِهِ ﷺ. نحن بحاجه الى تعلم أن نُطهرَ السرائرَ ونُعمرَ الصدورَ بالحُبِّ قبل أن نقرأَ المُسطَّرَ في السطورِ؛ لأنَّ بينَ السطورِ جواهرَ وأنواراً لا تُدركُها إلا القلوبُ المُنورةُ.
ولأجلِ هذا أوصيتُكم يا ولدي، كلما فزعتم من أمرٍ أو خشيتم شيئاً، أن تلوذوا بهذه الصلاةِ: "اللهمَّ صلِّ على أحمدَ النورِ، المُؤيدِ المنصورِ". أكثروا منها لتتفتَّحَ لكم أبوابُ الفتوحاتِ والأنوارِ، فإنَّ اسمَ "أحمد" تهتزُّ لهُ أركانُ الكَونِ جلالاً. ألم يقلِ الصادقُ المصدوق: «أنا أحمدُ؛ أُهدي بهِ بعدَ الضلالةِ، وأُعرفُ بهِ بعدَ الخمالةِ، وأفتحُ بهِ أعيناً عُمياً وآذاناً صُمّاً»⁽¹¹⁾. إنَّ اسمَ أحمدَ مشتقٌّ من أسماءِ الجلالِ الإلهيِّ، كما ترنمَ حسانُ بنُ ثابتٍ: "وشقَّ لهُ منِ اسمِهِ لِيُجلَّهُ.. فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ"⁽¹²⁾.
ومع هذا المقامِ العظيمِ، نرى حضرةَ النبيِّ ﷺ، وهو أعرفُ العارفينَ بربِّهِ، يقفُ موقفَ الإجلالِ، والوجلِ، والافتقارِ، فيجثو على رُكبتيِّ العجزِ البشريِّ أمامَ العظمةِ الإلهيةِ مُناجياً: «لا أُحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ»⁽¹³⁾. لقد تجلَّتْ معاني "الحمدِ للهِ" على قلبِهِ الشريفِ، فلما جَلَتْ مرآةَ قلبِهِ، تَجَلَّتْ فيها أنوارُ الحَقِّ جلَّ جلاله.
الحياةُ الحقيقيَّةُ ووصيَّةُ سَعدِ بنِ الرَّبيع
دعنا ننتقلُ بقلوبنا إلى مشهدٍ آخرَ من غزوةِ أُحُدٍ، حيثُ غُبارُ المعركةِ يعانقُ السماءَ، والدماءُ الزكيةُ تُروِّي الأرضَ. في هذا الخضمِّ، لا ينسى النبيُّ ﷺ أحبابَهُ، فيُرسلُ أحدَ الصحابةِ ليتفقَّدَ سَعدَ بنَ الرَّبيعِ قائلاً له: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يسألُكَ: أأنتَ في الأحياءِ أم في الأمواتِ؟»⁽¹⁴⁾. تأملْ يا ولدي، المعركةُ على أشدِّها، والنبيُّ يتذكرُ فرداً فرداً من أصحابهِ، وكأنهُ يُرسلُ رسالةً للأجيالِ: "أنا لا أنسى أحبابي أبداً". إنَّ الذي سيعرفُكَ ويتذكرُكَ في زحامِ يومِ القيامةِ، لن ينساكَ في ساحاتِ الدنيا؛ فهو يرى بنورِ اللهِ ما كانَ وما سيكونُ، ولا يحجبُهُ حاضرٌ عن غائبٍ.
فماذا كان جوابُ سعدٍ رضي اللهُ عنه؟ قال: "أنا في الأمواتِ". هل تظنُّ أنه يقصدُ فناءَ الجسدِ فحسب؟ لا يا ولدي، بل هو المعنى العميقُ الذي لخَّصَهُ العارفون في قولهم: "موتوا قبلَ أن تموتوا؛ فإنَّ مَن ماتَ رأى الحقَّ، ومن لم يمُتْ لا يحظى منها بنظرةٍ"⁽¹⁵⁾. من ظلتْ نفسهُ حيةً بشهواتها لم يذقْ طعمَ المشاهدةِ، فلما ماتتْ حظوظُ نفسِ سعدٍ، رأى مقامَهُ. ثم أردفَ سعدٌ قائلاً، وكأنهُ يودِّعُ الدنيا: "اللهمَّ جازِ عنَّا رسولَ اللهِ ﷺ خيرَ ما جزى بهِ نبياً عن أمتِهِ.. وأقرئ قومكَ مني السلامَ، وقل لهم: لا خيرَ فيكم وفيكم عينٌ تطرِفُ، إن يُخلَصَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ"⁽¹¹⁾.
احفظوا هذه الوصيةَ يا ولدي؛ فإنه يوصينا وهو يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ: لقد بذلنا أرواحنا لآخرِ رمقٍ، والدورُ الآنَ عليكم، إياكم أن يُنالَ من نبيِّكم. لا تظنوا أنَّ النبيَّ بانتقالِهِ للرفيقِ الأعلى قد ماتَ ذكرهُ، ولا تظنوا أنَّ لفظةَ "الأنصارِ" حِكرٌ على من سكنَ المدينةَ المنورةَ، بل كلُّ مُحبٍّ يحملُ بين طيَّاتِ أضلعهِ قلباً ينبضُ بمحبةِ النبيِّ فهو من الأنصارِ حقاً. رسالةُ سعدِ بنِ الربيعِ موجهةٌ لعمومِ المُسلمين: دافعوا عن نبيِّكم كُلٌّ بما أوتي؛ فمن أوتيَ بياناً فليذبَّ عنه بالشعرِ، ومن أوتي صوتاً فليمدحْ. "تَرَنَّمْ يا فتى وامدَحْ نبيَّنا.. ولا تسمعْ لعَذْلِ العاذلِينَا.. فإنَّ المادحينَ لهُمْ لواءٌ.. غداً يُسقَونَ من كوثَرِ نبيِّنَا"⁽¹⁶⁾.
ولكي يستقرَّ هذا المعنى في فؤادِكَ، عليكَ أن توقنَ بثلاثةِ أسرارٍ نطقَ بها الحبيبُ ﷺ: "أنا لا أعرفُ قدري غيرُ ربي"⁽¹⁷⁾، و«لستُ كهيئتِكُم»⁽¹⁸⁾، و«أبيتُ عندَ ربي فيطعمني ويسقينِ»⁽¹⁹⁾. إذا أدركتَ هذه الثلاثةَ، علمتَ أنَّ اسمَ "محمد" يُشيرُ إلى جلالِ قُدسٍ لا يُدركُ كُنهَهُ إلا اللهُ جلَّ جلاله، كما ترنمَ العاشقونَ: "بي وَجْدٌ لا يدريهِ.. إلا من يسكنُ فيهِ"⁽²⁰⁾.
عَرَجَةٌ تَطَأُ الجَنَّةَ.. صِدقُ عَمْرِو بنِ الجَموح
وما بينَ جبلِ أُحُدٍ ومقاماتِ الشهداءِ، نعيشُ الليلةَ معنىً تجلَّى في سيدنا عمرو بنِ الجموحِ رضي اللهُ عنه. كانَ رجلاً شيخاً أعرجَ، لهُ بنونَ يذودونَ عن ساحةِ الوغى، فلما همَّ بالخروجِ للجهادِ، أشفَقوا عليه وقالوا: إنكَ رجلٌ مسنٌّ، وقد عذركَ اللهُ، ولا قُدرةَ لكَ على القتالِ. فذهبَ عمرو يشكوهم إلى النبيِّ ﷺ قائلاً: "يا رسولَ اللهِ، إنَّ بَنيَّ منعوني أن أخرجَ معكَ، وقد حرموني من قَبلُ شرفَ بدرٍ، وأنا أطمعُ غداً في الشهادةِ". فقال النبيُّ ﷺ لأبنائهِ: «إنَّ عُذرَهُ يمنعُهُ، ولكن لا تحرموهُ الشهادةَ»⁽²¹⁾.
انظر يا ولدي إلى همَّةِ هذا الرجلِ؛ خمسُ دقائقَ يمضيها في جوارِ النبيِّ ﷺ كانت أفضلَ عندهُ من الدنيا وما فيها. كانوا يعيشونَ بمعنىً راقٍ: كيف تطيبُ لنا الحياةُ ونهنأُ بالعيشِ، والنبيُّ ﷺ يخرجُ للقتالِ ونحنُ قابعونَ في بيوتنا نأكلُ ونشربُ؟ لا والله، الموتُ في سبيلِ محبتهِ أحبُّ إلينا. فخرجَ عمرو بنُ الجموحِ يجرُّ عرجتَهُ خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ، فلما انتهتِ المعركةُ وطفقوا يتفقدونَ الشهداءَ، وقفَ النبيُّ ﷺ على جثمانِهِ الطاهرِ وبكى، وقال للصحابةِ: «واللهِ، لقد قال عمرو قبلَ أن يموتَ بلحظةٍ: اللهمَّ إني أُقسمُ عليكَ أن أُقتلَ اليومَ، وأطأَ بعرجتي هذه الجنةَ»⁽²²⁾. ثم أردفَ المعصومُ ﷺ مُبيناً مقامهُ: «إنَّ من عبادِ اللهِ مَن لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ، وإنَّ عمرو بنَ الجموحِ ممن أقسمَ على اللهِ فأبرَّهُ، وإني واللهِ أراهُ الآنَ يطأُ بعرجتِهِ الجنةَ»⁽²³⁾. تأملْ دقةَ اللفظِ النبويِّ: «أراهُ يطأُ بعرجتِهِ الجنةَ»؛ فكأنَّ الجنةَ باتساعها تتشرفُ وتتسعُ لعرجةِ هذا المُحبِّ الصادقِ.
كِفاحاً بِلا حِجابٍ.. كَرامَةُ عبدِ اللهِ بنِ حَرام
ونختمُ هذه التطوافةَ الروحانيةَ بنموذجٍ مُشرقٍ من نماذجِ أُحُدٍ، لتعيدَ يا ولدي قراءةَ السيرةِ بهذا الميزانِ القلبيِّ، ميزانِ الكمالِ والأكملِ. انظر إلى سيدنا عبدِ اللهِ بنِ حَرامٍ رضي اللهُ عنه؛ لم يكنْ يبحثُ عن مجدٍ عسكريٍّ أو قيادةٍ دنيويةٍ، بل رفعَ يديهِ إلى السماءِ في جُنحِ الليلِ، وناجى ربَّهُ مناجاةَ العُشاقِ: "اللهمَّ إني أسألكَ غداً أن ألقاكَ، فتُبقرَ بطني، وتُجدعَ أنفي، وتُقطعَ أُذني، فألقاكَ شهيداً، فتسألني: ماذا فعلوا بكَ؟ فأقولُ: مِن أجلِكَ"⁽²⁴⁾.
يقولُ راوي الحديثِ: فلما انجلى غبارُ المعركةِ، وجدناهُ كما تمنى بالضبط؛ بُقرتْ بطنهُ، وجُدعَ أنفهُ، وقُطعتْ أُذنهُ. فجاءَ ابنهُ، سيدنا جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما، ولم يقوَ قلبهُ على النظرِ إلى جثمانِ أبيهِ المُشوَّهِ، فالتفتَ إلى النبيِّ ﷺ بقلبٍ منفطرٍ، لا يسألُ عن تفاصيلِ القتلِ، بل يسألُ عن المصيرِ قائلاً: يا رسولَ الله، هذا المنظرُ لا يُهمني، طمئنِّي على أبي.. أهو في الجنةِ أم في النارِ؟ فأجابهُ الصادقُ المصدوقُ ببشارةٍ تُزلزلُ القلوبَ: «إنَّ اللهَ لم يُكلِّمْ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللهَ كلَّمَ أباكَ كفاحاً»⁽²⁵⁾.
تأملْ هذا المشهدَ المهيبَ يا ولدي: المعركةُ دائرةٌ، والسيوفُ تتخاطفُ الرقابَ، ورسولُ اللهِ ﷺ يُقاتلُ، وفي الوقتِ ذاتهِ يكشفُ اللهُ لهُ حُجبَ الغيبِ ليرى ما يدورُ في الملأِ الأعلى! يسألهُ جابرٌ: وماذا حدثَ لأبي؟ فيقولُ ﷺ: «أوقفهُ اللهُ بينَ يديهِ وقال: تَمَنَّ عَلَيَّ يا عَبدي. فقال: يا ربِّ، أُريدُ أن أعودَ إلى الدُّنيا فأُقتلَ فيكَ ثانيةً»⁽²⁶⁾. هل طلبَ قصورَ الجنةِ؟ هل تحسرَ على أطفالهِ التسعةِ الذين تركهم؟ لا! لقد تمنى العودةَ ليذوقَ حلاوةَ الشهادةِ مرةً أخرى.
ولمّا تذوقتُ أنا هذا المعنى يا ولدي، أدركتُ سرَّ بيتٍ من الشعرِ كنتُ قد كتبتهُ قديماً ولم أستوعبْ عمقَهُ حينها، إذ قلتُ: "وحسِبتُ أن اللِّقَا بَرداً لأشواقي.. فتسعَّرَ الوجْدُ مِن نظري إلى طه". لقد ظننتُ أنَّ الوصالَ يُطفئُ نيرانَ الشوقِ، كما قيلَ: "وقالوا الشوقُ من شِيَمِ الجنونِ.. ونارُ الوجْدِ عن بُعْدٍ تكونِ.. فكيفَ بحاضرٍ يَهواهُ قلبي.. ويَشهدُ نورَهُ مُقَلُ العيونِ؟"⁽²⁷⁾. كيف للقلبِ أن يشتاقَ لمن هو ماثلٌ أمامَهُ؟
السرُّ يا ولدي أن عبدَ اللهِ بنَ حَرامٍ لم يطلبِ العودةَ للقتالِ لذاتِ القتالِ، بل لِأجلِ أن يسمعَ نداءَ الربِّ لهُ مرةً أُخرى: «تَمَنَّ عَلَيَّ يا عَبدي»! لقد فتنهُ جمالُ الخطابِ الإلهيِّ المباشرِ.
وبهذا نفهمُ شطحةَ العارفِ باللهِ، أبي يزيدَ البَسطاميِّ⁽²⁸⁾ حينَ قال: "لئن ناداني يومَ القيامةِ: يا أبا اليزيدِ، سأسكرُ منها سكرةً تُغيبني عن يومِ الوعيدِ. واللهِ لئن أدخلني بعدها النارَ، لن أشعرَ لها جحيماً، ولئن أدخلني الجنةَ، لن أشعرَ لها نعيماً"⁽²⁹⁾. إنها سكرةُ الخطابِ والوصالِ.
لكنَّ السُّنةَ الإلهيةَ قاضيةٌ بأنَّ من رَحلَ لا يعودُ، فقالَ اللهُ لعبدهِ عبدِ اللهِ بنِ حَرامٍ: «إني حَكَمْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ»⁽³⁰⁾. وهنا، تنزَّلتْ آياتٌ من الذكرِ الحكيمِ لتُصححَ مفاهيمنا القاصرةَ عن الموتِ والحياةِ؛ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾⁽³¹⁾. كأنَّ الحقَّ يقولُ: كلُّ معارفكم عن الموتِ ظنيةٌ بشريةٌ قاصرةٌ، فلا تحسبوهم أمواتاً، بل هم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وهل تظنُّ يا ولدي أن رزقهم مجردُ طعامٍ وشرابٍ؟ حاشا وكلا! هم أصلا تركوه.. بل يُرزقونَ من ثمراتِ التقريبِ، وفواكهِ المُحادثةِ، وجلالاتِ المُؤانسةِ، وعواطفِ الدلالِ، ولوائحِ الجمالِ، وكواشفِ الجلالِ. يُرزقون من أعطافِ القربِ الإلهيِّ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾⁽³²⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أنوار العقيدة في ميادين السيرة: تصحيح مفاهيم التوحيد ومقامات اليقين من غزوة أحد)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب وأسرار الشريعة في السيرة النبوية: استنباطات فقهية من غزوة أحد)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الإحسان وأسرار السلوك: رحلة التزكية ومجاهدة النفس في ظلال السيرة النبوية)التزكية والتصوف
