بقلم: الشيخ جابر بغدادي
شرح الحكمة العطائية الخامسة: اجتهادك فيما ضمن لك دليل على انطماس البصيرة
شرح الحكمة العطائية الخامسة: اجتهادك فيما ضمن لك دليل على انطماس البصيرة
يقظة القلوب ومقام الرضا
من عرف الله يا ولدي، لم يساوره قلقٌ على غد، فلا هو يعيش في كمد الحزن على أمسٍ مضى وفات، ولا هو يرتجف خوفاً من غدٍ آت. بل هو يحيا في حالة يقظةٍ تامة مع «الوقت»، يعيش في دولة اليقين التي استقر عنوانها على قاعدة: مقامك حيث أقامك.
ولقد سُئل سيدي الإمام الحسن البصري ⁽¹⁾ ــ المتوفى سنة مائة وعشر للهجرة، وهو إمام التابعين وشيخ أهل الزهد في زمانه ــ قيل له: يا إمام، ما سر زهدك في هذه الدنيا؟ فأجاب بلسان العارف الموقن الممتلئ بالله: "علمت أن رزقي في السماء لن يأخذه غيري، ومكتوبٌ ومتحيز بحيازةٍ ربانية أنه لي، فاطمأن قلبي، وعلمت أن عملي في الأرض لن يعمله غيري فانشغلت به وحدي".
وهذا عين ما يرمي إليه تاج العارفين سيدي ابن عطاء الله السكندري ⁽²⁾ ــ المتوفى سنة تسع وسبعمائة للهجرة، ركن الطريقة الشاذلية ــ في حكمته الخامسة البالغة قائلاً: "اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طُلب منك، دليلٌ على انطماس البصيرة منك".
المصطفى ﷺ هو النعيم الأعظم
تأمل معي يا ولدي مسالك الصادقين؛ فقد خرج سيدي رسول الله ﷺ ذات يوم، وقد أثر فيه الجوع مبلغه، وخرج من بعده الصديق المحب أبو بكر، ثم تبعهما الفاروق عمر. فلما سألهم الحبيب المصطفى: «ما الذي أخرجكم؟» أجابوا بلسان الحال والمقال: الجوع يا رسول الله. فقال لهم: «هلموا بنا إلى دار أبي الهيثم بن التيهان» ⁽³⁾. فانطلقوا إلى دار هذا الرجل الصالح من الأنصار، فأطعمهم وأسقاهم؛ أكلوا جميعاً وشبعوا، وتفكهوا بالتمر، وشربوا من الماء العذب الفرات. فلما استقر بهم المقام وشبعوا، التفت إليهم النبي ﷺ قائلاً: «هذا من النعيم الذي ستسألون عنه».
ويا ولدي، ما كان مقصود الحبيب ﷺ التمر، ولا اللحم، ولا الماء الصافي فحسب؛ بل كان مراده الأسمى أن يُعلمهم أن النعيم الأعظم الذي ستُسألون عنه هو أنني حيٌّ بين ظهرانيكم، وأن الله تعالى قد تفضل فأرسلني إليكم. وكأنه يقول: أنا مشبعكم إذا جُعتم، وأنا مشربكم إذا عطشتم، وإني مأواكم وملاذكم إذا ضِعتم وتهتم في الدروب. أنا لكم حرزٌ في الدنيا، وأنا لكم يوم القيامة الشفيع على الحوض المورود. فمن لم يكتفِ بي، ولم يدرك أنني النعمة العظمى والمنة الكبرى، سيسأله الله يوم القيامة عني؛ لأنني أنا النعيم الأصيل. أرأيتم يا ولدي، كريماً جليلاً يدعو عبداً ضعيفاً فقيراً إلى مأدبة جوده، ثم يسأله ويَمُنُّ عليه بكسرة خبز؟ حاشا لله!
إن سر الجمال في هذا الموقف النبوي، أنهم حين خرجوا جميعاً يشكون ألم الجوع، لم يشتكوا ربهم قط. كان بوسعهم، بدل أن يسعوا لدار الأنصاري، أن يقولوا: يا رسول الله، ألسْتَ مستجاب الدعوة؟ فادعُ الله أن يُنزل علينا مائدةً من السماء تسد رمقنا فقد بلغ منا الجوع مبلغه. لكنهم لم يفعلوا؛ لأن رضاهم بوجود النبي ﷺ، واكتفاءهم بقربه وصحبته، كان عندهم عين أعيان الجنة. ثم تأتي الإشارة القرآنية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ⁽⁴⁾، وهنا تختلف مراتب الناس؛ فكل امرئ يرى النعيم بحسب مقامه وصفاء بصيرته.
فهناك من يرى النعيم محصوراً في كأس ماء، وكسرة لحم، وحبات تمر. وثمة من يرى النعيم في زوجةٍ صالحة، أو ذريةٍ بارة. ولكن هناك من صفت أرواحهم وسمت هممهم، فرأوا أن النعيم الأوحد هو سيدنا وسيد السادات، سيد الكونين ﷺ.
حقيقة العبودية وسر الرزاق المتين
اعلم يا ولدي، أنك لم تُخلق لتدبير أمورك، ولم تُوجد لتحمل هم التفكير في غدك؛ بل خُلقت لتحقيق مقام العبودية الخالصة. اقرأ قول الحق جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ⁽⁵⁾، ثم تأمل الآية التي تليها مباشرة لتدرك السر البديع: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ⁽⁶⁾. هذا البيان الإلهي جاء ليُفهم العبد أن عبوديته لله إنما يعود نفعها على نفسه، فالله هو الغني الرزاق.
وكأن الحق سبحانه يهمس في قلبك: حتى توفيقك لهذه العبودية، هو رزقٌ خالص مني لك، وليس محض فعلٍ منك تقدمه لنا. ثم يختم الآيات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ⁽⁷⁾. ولنا أن نتأمل إشراقات هذه الأسماء: لماذا ذكر أنه رزاقٌ ذو قوةٍ متين؟ ومن هو الرزاق؟ إنه القائم بفيض العطايا لكل من أوجده من العدم، سأله السائل أم لم يسأله. ولماذا وصف نفسه بالقوة؟ لئلا تظن أن ثمة عوائق في الوجوديات قد تمنعه من إيصال رزقك. فهو قويٌ يرزق، وقوته نافذةٌ قاهرةٌ فوق الكل. ولماذا هو المتين؟ لأن عطاءه لا يتأثر، ولا يتبدل جوده بتغير أحوال خلقه، أو بعوارض أفعالهم. ولهذا، لو لم تكن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء ⁽⁸⁾. فهو المتين في وعده، المتين في قوته، المتين في رزقه جل جلاله.
فإذا أرادك الله بفضلٍ، لا ترده قوة. وإذا وهبك موهبةً، فلا يملك أي مانعٍ أن يسلبها منك. كيف لا، وهو القائل: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ⁽⁹⁾. لا تغفل عن هذا أبداً، فليس لأحدٍ في السماوات ولا في الأرض، ولا في الغلاف الجوي، ولا ما تحت الثرى شيءٌ ليمنحك إياه من دون الله.
ولذا، يصدح أهل الزهد واليقين قائلين ⁽¹⁰⁾:
"لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فَإِنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْكَ فِي الدِّينِ"
"لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَنْ يُعْطِيكَ خَرْدَلَةً ... إِلَّا بِأَمْرِ الَّذِي سَوَّاكَ مِنْ طِينِ"
انطماس البصيرة وظلمة الذنوب
نعود يا ولدي إلى أصل الحكمة: "اجتهادك فيما ضُمن لك". وهذا الاجتهاد يكون على وجهين: إما بانشغال القلب تعلقاً ووهماً، أو بانشغال الجوارح كدحاً مفرطاً. وما هو هذا المضمون الذي كُفيته يا طالب الحق؟ إنه الرزق، وتفاصيل الحياة، ومقادير الأنفاس. فما دامت الأنفاس تتردد في الأجساد، فالأرزاق معلومة ومقسومة. ووالله ما ابتُلي الإنسان بحمل هم الرزق، ولا سيطر عليه خوف الخلق، إلا ببركة ذنوبه وركونه إلى غير مولاه.
فإذا وجدت قلبك قد أثقله هم الرزق، وانشغلت به عن طلب الحق جل جلاله، فهرول مسرعاً إلى رحاب الاستغفار. فاعلم حينها، يقيناً، أن بصيرتك قد أصابها الانطماس. لأنك لو كنت صاحب بصيرةٍ نافذة، وعقيدةٍ راسخة، ويقينٍ صحيح، لما طلبت غيره، ولما سألت سواه. كيف تسأل غيره وقد أقسم لك بذاته العلية على حقيقة الرزق قائلاً: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ⁽¹¹⁾؟! لقد انطمست البصيرة منك وأنت غافلٌ لا تشعر.
واعلم أن عين البصيرة أدق وأرهف بكثير من عين البصر. أرأيت يا ولدي، لو أنك تقود مركبتك، ونافذتك مفتوحة، فدخلت ذرةٌ من غبارٍ إلى عينك؛ ألا تضطر فوراً للتوقف والركون إلى جانب الطريق لفرط تشويشها، وهي مجرد ذرة تراب وقعت في قاع عينك؟ فكيف، بربك، إن كانت هذه الذرة من تعلقات وصنع الأغيار، ووقعت في جوف بصيرتك؟ ألا تعميها عن شهود الحق؟
وفي هذا المعنى الدقيق يحذرنا الحبيب المصطفى ﷺ، مبيناً أثر الذنوب على بصيرة القلب، فيقول: «إن العبد ليذنب الذنب فينكت به في قلبه نكتةٌ سوداء» ⁽¹²⁾، ويستمر هذا الران والتراكم حتى تنقسم القلوب إلى قلبين: قلبٌ أبيض مشرق بنور اليقين، وقلبٌ أسود مرباد: «كالكوز مجخياً» ⁽¹³⁾؛ أي كالإناء المقلوب، لا يستقر فيه نور الإيمان ليدخل، ولا يخرج منه درن الكفر والغفلة، وكل ذلك من جراء ذنبٍ أورث حجاباً.
فاللهَ اللهَ يا ولدي، تأمل مقامات العارفين وتوجيهاتهم ⁽¹⁴⁾:
"أعْطِ الْمَعِيَّةَ حَقَّهَا ... وَأَلْزِمْ لَهَا حُسْنَ الْأَدَبْ"
"وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ عَبْدٌ فِي ... كُلِّ حِينٍ وَهُوَ رَبْ"
