فقه القلوب وأسرار العبادات: كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك
فقه الاستقامة: الحذر من مبطلات الأعمال الباطنة
ما هي آفات الاستقامة في فقه القلوب يا ولدي؟ إن الآفة الفقهية هنا لا تقتصر على مجرد الغرور والعُجْب الظاهر الذي يُحبط ثواب العمل، بل تمتد لما هو أعمق من ذلك بكثير؛ إنها آفة التقييم، أن تُنَصِّبَ نفسك مقيِّماً لحالك، قاضياً على أعمالك بالقبول أو الرد.
ولذلك، ومن منطلق الفقه الجامع بين الظاهر والباطن، قلتُ لك إن الاستقامة الشرعية تقوم على ثلاثة أركان ومحاور جلية: أن تستقيم جوارحك على طاعة الله بأداء التكاليف، وأن تُقوِّم نفسك من رعونة معصية الله باجتناب المنهيات، وألَّا تُقَيِّمَ نفسك لا في طاعةٍ ولا في معصية. فقد قال الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واعداً أهل الثبات بفيض فضله: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾⁽¹⁾.
فكيف تستقيم يا ولدي على الطريقة؟ والطريقة هنا في عُرف الفقهاء والعارفين هي الإسلام، هي الشرع الحنيف والدين القويم بأحكامه وآدابه. كيف أستقيم عليه؟ يكون ذلك بأن أُقوِّمَ نفسي من رعونة البشرية ومخالفاتها الشرعية، وأن أُقيمَها على قدم العبودية لله، وألَّا أُقيِّمَ نفسي قط. فالسر الفقهي كله يكمن في قاعدة: قيامٌ بحق الشرع، وتقويمٌ للنفس، بلا تقييمٍ للنتيجة.
لا تقل على نفسك "شيخٌ" ومُقَرَّب، فتغتر ويُحبط عملك، ولا تقل على نفسك أنك سيئ هالك، فتقنط وتترك التكليف. هل فهمت مقصدي يا ولدي؟ فإن قلتَ: إنني أرى نفسي مقصراً في جنب الله؟ أقول لك: هذا إحساسٌ فقهي سليم يورث القلب انكساراً، فاجعله حادياً يسوقك إلى مزيد من الطاعة، لكن إذا قادك هذا الشعور إلى الإحباط وترك العمل، فاعلم يقيناً أن هذا من تلبيس إبليس. فلِمَ تُضَيِّقُ ما اتسع، ولا تُوَسِّع دائرة الرحمة الربانية؟
فقه النوافل وحسن الظن: قصة النائم والقائم
وهنا نأتي إلى أصلٍ عظيم من أصول فقه القلوب وأسرار العبادات؛ يُروى في الأثر عن سلفنا الصالح أنه قام رجلٌ يُصلّي نافلة الليل، وظل طوال الليل يُقيم الليل ويناجي ربه قائلاً: "اللهم اغفر لي"، ثم نام غيره. فهُتِفَ بالنائم في منامه فقيل له: إن الله قد غفر لمن قام ومن نام. فتعجب وقال: يا رب، من قام فقد عرفنا سبب المغفرة له لِما قَدَّم من عمل، فبِماذا غفرت لمن نام؟ فجاءه الرد الإلهي العظيم: "لما ناموا ذكروا جمالي، والذين قاموا ذكروا جلالي، وقد حان وصالي لأهل جمالي وجلالي"⁽²⁾.
وهنا لابد من وقفة فقهية احترازية صارمة يا ولدي؛ إياك أن تفهم من هذا الأثر أن تترك أداء الفرائض والواجبات الشرعية متكئاً على سعة الرحمة! فهذا فهم سقيم وانسلاخ من ربقة التكليف الشرعي. إنما النائم هنا هو رجل أدى فريضة العشاء المفروضة، ونام عن قيام الليل (الذي هو نافلة وحكمه الاستحباب لا الوجوب) مفتقراً إلى ربه وطامعاً في عفوه وحسن الظن به، بينما القائم قد تسرّب إلى قلبه الاعتماد على عمله ورؤية نفسه في نافلته. فالفقه الصحيح يُحتم علينا أداء الفرائض كشرط لصحة السير، ثم الاستناد إلى فضل الله لا إلى كثرة النوافل التي قد يخالطها العُجب.
فالذي نام والذي قام، ما شأنك أنت بهما؟ هذا نام طمعاً في جمال الله ورحمته، وذاك قام يظن أن العبادة وحدها هي ثمن الجنة. فهذا غفرنا له، وهذا غفرنا له، ليعلم من قام أن الله هو ربٌّ لمن قام، وربٌّ لمن نام. إياك أن تُقيِّم يا ولدي، ولا تُضيِّع نفسك بميزان التقييم الموهوم. فالاستقامة لا تَحِقُّ إلا لمن اتصف بشروطها الثلاثة: قيامٌ بوظائف العبودية، وتقويمٌ لرعونات البشرية، وألَّا يكون هناك تقييم.
فقه المقامات: الشكر على نعم العبادة
ثم يأتيني من يتساءل بفضولٍ واستعجال يفتقر إلى أدب السلوك: يا شيخ، في أي مقامٍ أنا الآن؟ ويحك يا ولدي! وهل نحن نعبد الله عز وجل من أجل أن نَنال المقامات؟ تتعبد لله ثلاثة أيام، ثم تطلب مقاماً!!!
إن المقام الحقيقي في فقه العبودية هو مقام الشكر، مقام الرضا، ومقام الحب. أن سمح لك الحق جل جلاله وأعطاك مسبحةً تسبحه بها، وبسط لك سجادةً تُصلي عليها، ووهبك التوفيق لتجلس جلسة تذكره فيها؛ فواللهِ هذا هو أعظم مقام تستوجب شكره. وأي مقامٍ أسمى فقهياً من أنك اقترفت الذنب (وكل ابن آدم خطاء)، فألهمك هو التوبة ووفقك لشروطها الشرعية؟ هذا هو المقام الحقيقي!!! أتريد أن تصطنع لنفسك مقاماً موهوماً!!!!
طهارة الآلات: فقه السبحة والتخلية من العُجب
واعلم يا ولدي، أنه ما لم تُخْلِ مسبحتك من حبات المَنِّ والاغترار بالعمل (وهي محرمات باطنية)، وما لم تُطهِّرها بحبات الاعتذار والافتقار إلى الله، فأنت لست مسبحاً بحمد الله، بل أنت مُسبِّحٌ بحمد نفسك.
فهذه المسبحة التي تسبح بها، إن لم يظهر أثرها الفقهي في سلوكك بأن تُقلل من طلباتك وحظوظك الدنيوية، وتجعلك تهدأ على نفسك، وتكسر فيك الكبر فلا تتعالى ولا ترى نفسك على عباد الله احتقاراً لهم، فإنك حينها تُسبِّح بحمد ماذا؟ إنك تسبح بحمد زهو فعلك ورعونة نفسك. فاستقم كما أُمِرت شرعاً، وطهِّر ظاهرك وباطنك، ودع عنك هذا الجنون والفتون.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك: أسرار الاستقامة وترك التقييم)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الفضل وتجريد التوحيد: كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك)العقيدة
وقت القراءة
