مقامات الرضا وأسرار الابتلاء: دواء القلوب من داء العبادة المشروطة
ظلمات الغفلة وهروب ملائكة الرحمة
يا ولدي، إن من أشد أمراض القلوب فتكاً بصاحبها هو مرض السخط وعدم الرضا بقضاء الله وقدره.
فكثيرةٌ هي تلك البيوت التي أظلم فيها النور، وانطفأ ضياؤها الروحاني إثر فقد عزيز، فتعالت في جنباتها صرخات الجزع، وكلمات اللعن والطعن، وتجلت فيها آفة عدم الرضا عن الله جل جلاله؛ وفي تلك الظلمات الموحشة، نفرت الملائكة وهربت من حياة ذلك الإنسان.
ويا ولدي، إن كثيراً من البيوت قد خيم عليها الشقاء والغفلة حين فقد الإنسان وظيفةً، أو مُني بخسارة مالية في شركة أو عمل، فكانت الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى أنه فقد علاقته بربه سبحانه، وذاك لعمري هو الخسران الأكبر.
إن الخسارة الأولى في موازين الدنيا قد تنقلب في طريق السلوك لتكون نجاحاً أكبر وترقية للروح، وقد تغدو خسارة فادحة تورد صاحبها المهالك؛ فليس معنى أن تخسر في عمل أو تفقد رزقاً أن تخسر صلتك بخالقك، وليس معنى أن تتعثر أو تفشل في علاقة زوجية أن تفرط في حبل الله المتين، ولا يعني أبداً أن يهدر الناس حقك ويظلموك أن تتحول إلى مجرم ناقم وتخسر بذلك رضوان ربك ومقام إحسانك!
داء العبادة المشروطة: حينما يكون الإيمان على حافة الشك
يضع الحق تبارك وتعالى ميزاناً دقيقاً في محكم التنزيل لكشف خبايا النفوس، واصفاً صنفاً من الناس تذبذبت قلوبهم وارتبط إيمانهم بالمنفعة العاجلة، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽¹⁾.
وتأمل يا ولدي دقة اللفظ القرآني، إذ قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ولم يقل شراً؛ لأن الفتنة في لغة السلوك هي الاختبار والتمحيص، وليست محض شر يعاقب به العبد.
إن العبادة 'على حرف' تعني الإيمان المهزوز؛ أي أن يقف السالك على حافة الشك، كمن يعبد الله على شرط التجربة الدنيوية.
وهذا هو عين مرض 'النفس الأمارة بالسوء' التي تبحث عن حظوظها العاجلة، فإن طاب لها الحال ادعت الإيمان، وإن ساءت بها الظروف نكصت على عقبيها، وهذا يتنافى تماماً مع حقيقة التصوف السني المعتمد الذي يُبنى على التسليم المطلق لله في المنع والعطاء.
نار التمحيص: احتراق المعادن لانجلاء الجواهر
وقد يتساءل أحدهم في لحظة ضعف، وبنبرة يملؤها الشجن: 'إنني منذ أن بدأت أُصلي وأسلك طريق الهداية، والدنيا تشتد عليّ وتضيق، فهل العيب في القرآن؟' حاشا وكلا يا ولدي! وهنا يتجلى السر الروحي؛ إن الله سبحانه وتعالى يضع معدنك في نار الابتلاء ليحرقه، حتى ينجلي جوهرك الأصيل وتصفو روحك من شوائب التعلق بغيره.
ألم تقرأ قول الحق جل وعلا الذي يقرر هذه السنة الكونية في التزكية: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾⁽²⁾؟ إن هذا الابتلاء لا يعني أبداً سقوط التكاليف الشرعية أو الاستهانة بالعبادات الظاهرة بحجة قسوة الباطن؛ فالتصوف السني المعتدل قاعدته الذهبية التي أرساها سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) تؤكد أن 'كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة'⁽³⁾.
فالابتلاء هو محراب جديد لإثبات العبودية الحقة، وليس مبرراً لترك الصلاة أو الاعتراض على الخالق.
مرآة السالكين: أسباب النزول وصدق اليقين
ولقد نزلت آية العبادة المشروطة في مجموعات من القبائل التي كانت تقطن حول المدينة المنورة؛ حيث أقبل بعضهم متخذاً الإسلام ديناً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوه على شرط المنفعة والتجربة.
جاؤوا يشكون حالهم بجهالة، قائلين بلسان الحال والمقال: يا رسول الله، إننا بعد أن دخلنا في هذا الدين، عَقُمت نساؤنا فلم يلدن ولداً، وخسرنا أموالنا، ووهنت صحتنا من حُمَّى المدينة، حتى أن خيلنا لم تُنجب ولم تُخلف!⁽⁴⁾
وفي سياق أسباب النزول التي رواها حبر الأمة وتُرجمان القرآن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ، إمام المفسرين)، أن رجلاً من اليهود أقبل إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وما هي إلا فترة وجيزة حتى توالت عليه الابتلاءات؛ فكُفَّ بصره، ومات ولده، وخسر ماله، فعاد أدراجه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طالباً الإقالة، وقال بجهالة تتنافى مع مقام الإحسان: 'حُلَّني من هذا الدين!' فسأله النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً، فأجاب: لأنني منذ أسلمت كُفَّ بصري، ومات ولدي، وضاع مالي.
فأنزل الله عز وجل بياناً لحاله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
وهنا نرد رداً استباقياً على المتنطعين الذين ينكرون أثر هذه المرويات في بناء القلب؛ فهذه الأخبار الصحيحة هي عماد أئمة التزكية في التحذير من فساد القصد وادعاء الإيمان الزائف.
ضريبة الوصل ومقامات الأصفياء والأنبياء
ويا ولدي، 'ولا تحسبن الوصل سهلاً مناله'⁽⁵⁾؛ فإن طريق القرب والمحبة الإلهية محفوف بالمكاره والمجاهدة لرفع الدرجات.
تذكر أن أنبياء الله وأصفياءه قد تجرعوا كؤوس البلاء من قبلنا بيقين لا يتزعزع وصبر لا يلين؛ فهذا نبي الله نوح قد ناح طويلاً في دعوة قومه، وهذا نبي الله زكريا قد شُق بالمنشار نصفين ولم يرتد عن توحيده، وهذا نبي الله يحيى قد قُتل وصبر على قضاء الله راضياً مُسلماً!
ألم يطرق سمعك قول الحق جل وعلا وهو يُسلي نبيه والمؤمنين، ويقرر قاعدة الترقية الروحية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾⁽⁶⁾؟
فيا أيها المريد الصادق، تمسك بعقيدتك وواصل أورادك وعباداتك، وإياك أن تتزلزل عند أول عثرة، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم ختاماً لبيان حال مرضى القلوب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽⁷⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حقيقة العبادة على حرف.. ظلمات الابتلاء وانجلاء جوهر القلوب)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرضا بالقدر واليقين المطلق: قراءة في حقيقة العبادة المشروطة)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه النية وصحة العبادات: الأحكام الشرعية في الابتلاء والتحذير من العبادة المشروطة)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق تفريغ: آية وحكاية - حقيقة العبادة المشروطة وسنة الابتلاء)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (صدمة الابتلاء بعد الاستقامة: هل العيب في مساري وطاعتي؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (ظلمات الفقد والاعتراض: كيف أسترد نور الرضا بعد خسارة قاصمة؟)الأسئلة
وقت القراءة 5 دقائق
