Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

معارج التزكية وسلوك الصابرين: أسرار الإحسان والرضا في تأملات سورة النجم والإسراء

في هذا المقال السلوكي الفريد، يكشف فضيلة الدكتور الشيخ جابر بغدادي عن أسرار علم السلوك وتزكية النفس من خلال تأملات سورة النجم وسورة الإسراء، مبيناً كيفية ارتقاء المريد من تشخيص أمراض القلوب ومجاهدة النفس إلى مقامات الإحسان والرضا، وموضحاً سر الاستعانة بقيام الليل والصلاة على النبي في علاج النفس اللوامة والمطمئنة وفق منهج التصوف السني المعتمد.

تشخيص أمراض القلوب وحقيقة الابتلاء في طريق السير إلى الله
أتوهمتم، يا ولدي، في رحلة السير إلى الحق، أن بعد الضيق مفيش فرج؟ وأظننتُم، بظاهر الغفلة التي تغشى النفوس، أن هتفضل ضيقة كده على طول؟ إن هذا التساؤل السلوكي البليغ لا يُطرح لمجرد الاستفهام، بل هو تنبيهٌ روحانيٌّ عميق يوقظ في القلوب حقيقة "الابتلاء السلوكي"؛ ففي الناس من اتجرحت جامد، واتظلمت جامد، واتأذت جامد، حتى كادت نفوسهم أن تسقط في فخ اليأس أو الجزع، وهما من أشد أمراض القلوب التي تحجب المريد عن ربه.
إن الاعتقاد بأن الشدائد ستدوم هو من آفات "النفس الأمارة بالسوء" التي تسيء الظن بخالقها، وتنسى أن القبض والبسط هما جناحان يطير بهما السالك في معارج التزكية.
إن منهج أهل السنة والجماعة، وطريق أئمة التصوف الصادقين كالإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ) (سيد الطائفة وإمام السالكين)، يقرر أن الابتلاء هو ترياق التزكية، وأن كل وجيعةٍ ومحنة إنما هي مطرقة إلهية لتكسير أصنام العُجب، والكبر، وحب الانتصار للنفس، ليتجرد المريد من حوله وقوته ويدخل في رحاب العبودية الخالصة.
سر الصبر الجميل في مقام المراقبة والعناية الربانية
طب إحنا بنساعدك أهو من مشكاة علم السلوك والإرشاد التربوي؛ مش قادر تصبر على مجاهدة النفس وتحمل الأذى؟ هقول لك على حاجة حلوة في أدب السلوك تخلي صدرك يتفسح للخلق احتمالاً وللحق صبراً ورضا.
تأمل بقلب المريد الصادق قول الحق جل جلاله في محكم تنزيله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾⁽¹⁾؛ ففي هذه الآية العظيمة تأصيلٌ لمقام "المراقبة والشهود" الذي هو روح مقام الإحسان.
إن استشعارك بأن الله تعالى ناظرٌ إلى ألمك، وحاسس بوجيعتك أكتر منك كما يليق بجلاله، وأن مجاهدتك ليست عندنا سهلة ولا قليلة، يغسل قلبك من أدران الرياء وحب الظهور، ويغرس فيك اليقين بأنك متحملٌ المشاق عشاننا وفي سبيلنا.
أنت تقوى بحول الله على أن تنفذ غضبك وتأخذ ثأرك إرضاءً لنفسك، لكنك من أجلنا تواضعت لله صبراً، وكسرت حظوظ نفسك اللوامة، لترتقي في مراتب التزكية؛ فالصبر هنا ليس عجزاً ولا ضعفاً، بل هو عين القوة ومجاهدة الهوى.
قيام الليل وتسبيح الأسحار: التزكية العملية وحياة العبادات
مش قادر تصبر على هذه المجاهدة؟ استعن بالآتي مما رسمه لنا الشارع الحكيم في التزكية العملية: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا * وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾⁽²⁾؛ يعني في عرف السلوك وأدب المريدين: لما تقوم قيام الليل اسجد وسبح بحمد ربنا.
جيت تصبر ما قدرتش؟ استعن بقيام الليل كدواءٍ ناجعٍ لقسوة القلب؛ ما قدرتش على القيام لضعفٍ في الهمة؟ انتقل إلى التسبيح والذكر المطلق؛ في قيام الليل ما عرفتش؟ امتثل أمره في توقيت الأوراد: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾⁽³⁾.
وهنا، يا ولدي، نعلنها قاعدةً ذهبية لا تقبل التجاوز في التصوف السني المعتمد، كما قررها الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام ومحيي علوم الدين): "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة"؛ فالحقيقة الروحية لا تُنال بتعطيل الجوارح أو إسقاط التكليف، بل إن مقامات السلوك كالزهد، والرضا، والمجاهدة، إنما هي إحياءٌ لروح العبادات المفروضة، وتعميقٌ للتقوى.
إن قيام الليل وتسبيح الأسحار ليسا مجرد طقوسٍ ظاهرة، بل هما مصنع تنقية القلوب من الغفلة، والإمداد الروحاني الذي ينقل النفس من اضطرابها إلى طمأنينتها.
التأسي بالنجم الأعظم والحبيب الأكرم في مقام الشفقة ومكارم الأخلاق
برضه عملت ده كله ما قدرتش؟ تعزى بالآتي من سيرة المربي الأعظم في افتتاح سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁴⁾.
قال في أدب التزكية: نعمل إيه؟ قال: ما أنت مش قادر على النجوم؟ اتعزى بالنجم، افتكر سيدنا النبي قد إيه صبر، قد إيه حلم، قد إيه رحم! لقد كان يوم أحد، حين أدمي وجهه الشريف، تتساقط قطرات الدم الشريف فيضع كفه ويلاحقها ويقول في المعنى الثابت في خصائصه وشمائله: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»⁽⁵⁾.
إن هذا الموقف النبوي ليس مجرد سردٍ تاريخي، بل هو درسٌ بليغ في "مقام الشفقة ومكارم الأخلاق"؛ فالنبي ، وهو سيد المتواضعين، علمنا كيف يُسقط العارف حظوظ نفسه بالكلية، وكيف تتحول الجراح والأذى إلى موجباتٍ للرحمة بالخلق.
إن هذا هو التصوف الحق؛ ألا وهو التخلق بأخلاق المصطفى ، والترقي من حظوظ النفس إلى فضاء الرحمة والمحبة، وهو ما بوبه الإمام القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) (شارح صحيح البخاري وركن المذهب الشافعي) في دلائل كمالاته السلوكية.
الصلاة على النبي وسر المعراج الروحاني في سورة النحل
فإذا مش قادر بعد كل هذه المحاولات السلوكية، صلِّ بقى كتير على سيدنا النبي؛ عشان الناس تعرف المعارك بتأتي منين، شوف السماوات ببروجها ومغاليقها بتفتح لمين! انظر، يا ولدي، إلى دقة الإشارة السلوكية في ترتيب آيات القرآن؛ فإن سورة الإسراء التي تمثل معراج الروح والفتح المبين، قد سبقتها في الترتيب سورة النحل، التي يختمها ربنا سبحانه وتعالى بقانون المجاهدة والصبر إذ يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾⁽⁶⁾.
وفي هذا توجيهٌ بليغ؛ فعايز تبقى في معارج الروح؟ اصبر على مجاهدة نفسك؛ عايز ربنا يسري بيك ويسري عنك حجاب الغفلة؟ اصبر هنا في مقامك؛ اصبر إسراء هنا، اصبر معراج، فهمتوا الإشارة يا ولدي؟ فهمنا الرسالة.
مش قادر؟ صلي على النبي، مش قادر؟ سبح، مش قادر؟ قيم الليل؛ الوجيعة تقيلة قوي على قلبك؟ حط النبي قدامك قدوةً في فقه الاحتمال وأدب السلوك.
معية الله للمحسنين والدفاع العلمي عن مقام الإحسان والتصوف السني
مالهاش بقى حل؟ مش قادر أنا على الصبر ولا قادر على إبعاد الحزن؟ قال: ولا قادر أعمل كده من وظائف السلوك؟ راح معزّينا عزا زي التاني، قال إيه؟ قال في ختام توجيهات النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾⁽⁷⁾، ثم يعقبها مباشرة في التنزيل بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾⁽⁸⁾؛ قال: ويعزيك في كده إن إحنا معاك.
وهنا نقف وقفة دفاعٍ علمیٍّ رصين أمام المتنطعين الذين يرمون التصوف بالبدعة أو الشرك؛ فإن التصوف السني المعتمد ليس إلا التحقق بمضمون هذه الآية الكريمة، وهو عين
"مقام الإحسان" الذي أرشد إليه المصطفى في حديث جبريل المتفق عليه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
إن مصطلحات السلوك كالذكر الجماعي، والتعلق بمحبة الأولياء، والصحبة الصالحة، هي أدواتٌ شرعية مقتبسة من نور النبوة، غايتها إيصال السالك إلى تقوى القلوب وإحسان العمل، لينال تلك المعية الربانية الخاصة التي تجبر كسره وتنقله من وحشة النفس إلى أنس المعية.
يبقى هنا هناك قال إيه آمرًا بالمجاهدة:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وهنا مانيش قادر أصبر قال إيه مجبرًا للقلوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
ذروة التزكية: الفناء عن حظوظ النفس والبقاء بالله في مقام الرضا
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؛ هناك أنت بأعيننا فإن صبرت وجاهدت كنت النجم الذي هوى؛ وهنا في مقام اضطرار النفس ﴿فَإِنَّكَ مَعَنَا﴾.
فالعبد وهو صابرٌ مع الله، والعبد وهو راضٍ مع الله، والعبد وهو محسنٌ مع الله، مندرجٌ في تمام طي كمالات عبوديةٍ صادقة قيل في ثنائها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾⁽⁹⁾.
وأما في كمال رضاه السلوكي، فإن السالك يشهد أن الله يعلم ما به، وأن الله مطلعٌ على بلواه، وأن الله قد رأى الظالم وهو يطعن ويضرب ويظلمه.
إن علمي الذوقي بأن الله يراني، وعلمي بأنني في معية الله، وعلمي بأن الله محيطٌ ببليتي، قد غلبني وملك عليَّ أقطار نفسي، حتى منعني من السخط وأوزعني أن أسأل الرضا، اكتفاءً بمشيئة الله تعالى وتسليماً لقضائه.
هذا الاكتفاء بالمشيئة، وتجريد القصد لله، هو سر التزكية الأعظم الذي رقى بالعبد من بين النجوم، ليكون متحققاً بمقام "النفس المطمئنة" التي تواضعت للحق، في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾⁽¹⁰⁾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 12 دقيقة