Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
إسلامياتعقيدة

عقيدة القبول وسعة الفضل الإلهي: قراءة عقدية في أسرار النجاة ومقام الحقيقة المحمدية

يستنبط هذا المقال درراً عقدية من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، كاشفاً عن عقيدة القبول، وسعة الفضل الإلهي، والنجاة بـ "العبادة الصامتة"، مع تحرير دقيق لمسألة التوكل والعمل للرد على المفهوم الجبري، وبيان مقام الحقيقة المحمدية في حفظ الأمة.

أيطمع العبد، يا ولدي، أن يعبر أهوال يوم القيامة وينجو من كربات الصراط، لا بكثرة صلاة يتنفل بها، ولا بوفير صيام يتطوع به، بل يَلِجَ الجنة بـ "عبادة صامتة" خفية لا يراها إلا علام الغيوب؟ كأن يقول بلسان حاله ومقاله في صدق ويقين: "أنا أحب هذا الرجل الطيب الصالح"، أويكفي هذا فحسب ليكون طوق النجاة؟ نعم يا ولدي، هذا هو محض عقيدة الفضل الإلهي التي أقرها أهل السنة والجماعة، فقد تواترت الأخبار الصحيحة في فضل الحب في الله ⁽¹⁾ [صحيح البخاري]، والذي يترجم سعة الرحمة الربانية التي لا تقف عند حدود العمل المادي فحسب، بل تمتد لتشمل أعمال القلوب. ولكن، احذر يا بني واتخذ حذرك العقدي هنا؛ فلا تفهم من هذا المقام إهمال الفرائض أو ترك ما أوجبه الله من العبادات الظاهرة ركوناً إلى المحبة وحدها، فهذا مسلك غلاة المرجئة الباطل. بل العقيدة الصحيحة أن الفرائض هي الأساس المتين، بيد أن هذه العبادة الصامتة (المحبة) هي إكسير القبول وسر الترقي في مقامات الإحسان حين تقصر الجوارح، وهي المعول عليها في نيل الفضل متى استقامت العقيدة. ولعلك تسألني عن شواهد هذه المحبة الصادقة التي تنبثق من عقيدة سليمة؟ إنها، يا بني، تتجلى في وفاء واكتفاء؛ محبة راسخة ثابتة لا تزيد بوصل وود، ولا تندثر بصد وهجر، بل هي اكتفاء تام بالمحبوب في الله. وإني لأقول لك بلسان اليقين العارف: لو أُعطيتُ ما بين الأرض إلى العرش بدلاً من أخي في الله، لما رضيتُ بأخي بديلاً، لا في الملك ولا في الملكوت. واعلم، يا ولدي، أن أول ما يُرفع من الأرض من أثر الوحي هو "الحب"، وحينها سنبحث عن جوهر الدين وحقيقته فلا نكاد نجده؛ لأن الدين بلا محبة في الله جسد بلا روح. وتأمل معي في "عقيدة القبول وتجريد التوحيد" حين تقرأ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. ألم يكونا عباداً لله في الظاهر؟ ألم يكونا من المنفقين؟ بلى، لقد ﴿قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. أتدري، يا ولدي، أين كانت المعضلة العقدية هنا؟ إنها في سر القبول الذي ينعقد في القلب بتجريد التوحيد لله لا في مجرد ظاهر العمل. فحين قال أحدهما متوعداً بحقد: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، أجابه الآخر بلسان الموحدين العارفين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. كلاهما قدّم عملاً، بيد أن هذا ارتقى ليكون "شاهداً" يرى فعل الله وفضله، وذاك ظل "سالكاً" معتمداً على حظ نفسه؛ فتجلّى مقام المشاهدة وتجريد التوحيد في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. وهذا يعلمنا درساً عقدياً جليلاً: أن من عصى الله فينا، لا نرد عليه بمعصية الله فيه، بل نلجأ إلى جناب ربنا متوكلين عليه، وهو سبحانه يتولى مداواته. وليس في هذا المعنى أبداً دعوة لعقيدة الجبرية الباطلة التي تسلب الإنسان إرادته وتدعوه للقعود والاستسلام للظلم؛ بل هو فقه التوكل العالي، حيث يعمل العبد بالأسباب المشروعة، لكن قلبه لا يرى فاعلاً ومؤثراً في الكون إلا الله ⁽²⁾ [الإمام الغزالي، ت: ٥٠٥ هـ]. واعلم، يا بني، أن زينة هذه الأمة المحمدية تكمن في تجلي "صفات الجمال والرحمة الإلهية". ففي مشاهد الآخرة العجيبة، قد ترى بعين البصيرة رجلين؛ أحدهما قاتل والآخر مقتول، والاثنان آخذان بأيدي بعضهما البعض ليدخلا الجنة معاً ⁽³⁾ [صحيح البخاري ومسلم]. هذه المكرمة، وهذا العفو الإلهي العظيم، هو تصديق لعقيدة أهل السنة في سعة رحمة الله وأن التوبة الصادقة تمحو ما قبلها، ولم يقع هذا في الكون قط إلا كرامة وتطييباً لخاطر نبينا المصطفى . ولنا في التاريخ أسوة تؤكد هذا المعتقد؛ فها هو سيدنا عكرمة بن أبي جهل، الذي كان يصول ويجول سيفه قاتلاً وهادماً لصفوف المسلمين في غزوة أُحد، أسلم وحسن إسلامه، وقَبِلَ منه النبي المصطفى توبته، ثم ارتقى شهيداً في سبيل الله، ليدخل مع المتقين إلى خمائل الجنان. وفي صفحات السيرة المضيئة، نتلمس عقيدة "العصمة بالوحي ومقام النبوة"، فإبان غزوة بني المصطلق، نشبت فتنة عمياء بين جماعة من الأنصار، وقد سعى اليهود في تأجيج نارها. فلما علم نبينا ، أقبل مسرعاً وقال مستنكراً بلسان التشريع والتربية: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» ⁽⁴⁾ [صحيح البخاري]. ثم تلا عليهم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾؛ وحبل الله هنا هو القرآن، وهو الدين القويم. والاعتصام به يعني العودة الكلية إلى الله. وتمم الآية: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وعند أهل العرفان والتحقيق العقدي، فإن "حبل الله" الممدود هو سيدنا النبي، و"نعمة الله" المهداة هي سيدنا النبي. فلما تلا ذلك على مسامعهم، خمدت نار الفتنة. ثم تنزل الآيات مرشدة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، لنعود في النهاية إلى الحقيقة القرآنية المطلقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فانظر يا ولدي إلى عظمة هذه الأخوة كيف تتأسس وفق "عقيدة الاستخلاف وبناء الإنسان"! إن أول ما صنعه رسول الله عند هجرته، وكما شيّد جدران المسجد المادي، فإنه قد شيّد وبنى الإنسان عقائدياً وروحياً. ألا ترى أن في كتاب ربنا سورة كاملة تُدعى سورة (الإنسان)؟ إنها رسالة ربانية تعلمنا أن الإنسانية المتوجة بالتوحيد هي جوهر التديّن الحقيقي. فقبل أن نشرع في بناء الأكوان وتعميرها معمارياً، يتوجب علينا أن نبني هذا الإنسان من الداخل بعقيدة صحيحة؛ وإلا عاش بيننا كالحيوان الثائر، تدخله جنة غناء فيفسدها ويخربها بجهله. غير أن الإنسان في حقيقته الأصيلة، متى استقامت عقيدته واكتملت إنسانيته وارتقى بروحه، أصبح خليفة الله بحق في أرضه، يعمرها بالنور والسلام والمحبة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة ٤ دقائق