السؤال
"أعاني يا شيخي من قلة أعمالي التطوعية من صلاة وصيام، وكلما حاولت الاجتهاد تعثرت، ولكن قلبي يفيض بمحبة الصالحين وأهل الله، فهل تكفيني هذه المحبة للنجاة يوم القيامة؟ وفي ذات الوقت، أواجه أذى شديداً وظلماً من بعض الناس، فتثور نفسي وتلح عليّ بالانتقام، وتضيق دائرة الأخوة في عيني بسبب الفتن وتغير القلوب المحيطة بي. فكيف أنجو بـ " العبادة الصامتة "؟ وكيف أطهر قلبي من إرادة الانتقام وأحقق الأخوة والإنسانية التي ترضي الله ورسوله؟"
"أعاني يا شيخي من قلة أعمالي التطوعية من صلاة وصيام، وكلما حاولت الاجتهاد تعثرت، ولكن قلبي يفيض بمحبة الصالحين وأهل الله، فهل تكفيني هذه المحبة للنجاة يوم القيامة؟ وفي ذات الوقت، أواجه أذى شديداً وظلماً من بعض الناس، فتثور نفسي وتلح عليّ بالانتقام، وتضيق دائرة الأخوة في عيني بسبب الفتن وتغير القلوب المحيطة بي. فكيف أنجو بـ "العبادة الصامتة"؟ وكيف أطهر قلبي من إرادة الانتقام وأحقق الأخوة والإنسانية التي ترضي الله ورسوله؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن العبد قد تضعف جوارحه وتقصر همته عن اللحاق بركب المجتهدين بكثرة النوافل من صلاة ووفير صيام، ولكنه قد يعبر أهوال يوم القيامة ويَلِجَ الجنة بـ "عبادة صامتة" خفية لا يعلم سرها إلا الله، ألا وهي المحبة الخالصة. ألم يبلغك يا بني ما أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث وحجة الإسلام) في صحيحه (كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله) من أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال له: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له النبي ﷺ مبشراً وجابراً لكسر قلبه: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». فالمحبة يا ولدي شواهدها صدقٌ في الوفاء واكتفاء؛ محبة راسخة لا تزيد بوصل وود، ولا تندثر بصد وهجر، بل هي اكتفاء تام بالمحبوب. وإني لأقول لك بلسان العارفين: لو أُعطيتُ ما بين الأرض إلى العرش بدلاً من أخي في الله، لما رضيت بأخي بديلاً، لا في الملك ولا في الملكوت. واعلم أن أول ما يُرفع من الأرض من آثار الوحي هو الحب، وحينها سنبحث عن جوهر الدين فلا نكاد نجده؛ لأن الحب يقتضي أن نجتمع عليه، وكنا حين نجتمع كنجوم في السماء، وحين يمضي كل منا في طريقه واتجاهه، تبقى المحبة ويبقى الود موصولاً، فالصالح لا ينسى ود عمر كامل بهجر لحظة عابرة. أما شكواك يا ولدي من أذى الناس وثورة نفسك للانتقام، فتأمل معي سر القبول حين تقرأ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. كلاهما عباد لله في الظاهر وكلاهما من المنفقين، ولكن المعضلة كانت في القبول. فحين طغت النفس وقال أحدهما متوعداً: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، أجابه الآخر بيقين وتجرد: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. كلاهما أحسن العمل، بيد أن الأول تعثر فصار سالكاً محجوباً، والثاني ارتقى ليكون شاهداً يرى فعل الله، وتجلت مشاهدته في قوله: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. وهذا يعلمنا درساً روحانياً جليلاً: أن من عصى الله فينا، لا ينبغي أبداً أن نعصي الله فيه، بل نلجأ إلى جناب ربنا، وهو سبحانه يتولى مداواته. واعلم يا بني أن زينة هذه الأمة المحمدية تكمن في السماحة. ففي مشاهد الآخرة العجيبة، قد ترى القاتل والمقتول آخذين بأيدي بعضهما البعض ليدخلا الجنة معاً، كما صح في الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ». ولم تقع هذه المكرمة في الكون قط إلا كرامة وتطييباً لخاطر نبينا المصطفى. ولنا في التاريخ أسوة عملية؛ فها هو سيدنا عكرمة بن أبي جهل (المتوفى سنة ١٥ هـ، الصحابي الجليل والمجاهد الفاتح)، الذي كان يفتك بالمسلمين في غزوة أحد ويهد في الناس، ثم أسلم وقبل النبي توبته، ومات شهيداً ليدخل مع من قاتلهم إلى خمائل الجنان متآخين. وأما عن تشتت القلوب والفتن التي تضيق بها صدرك، فاذكر ما حدث في غزوة بني المصطلق حين نشبت فتنة أججها اليهود بين الأنصار. فأقبل النبي ﷺ مسرعاً وقال: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» ثم تلا عليهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وعند أهل العرفان، "حبل الله" هو سيدنا النبي، و"نعمة الله" هي سيدنا النبي. وحين تُليت الآيات انطفأت الفتنة، وتجلت حقيقة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. لقد أسس النبي ﷺ هذا المنهج حين بنى "الإنسان" قبل أن يبني جدران المسجد. ولذلك توجد سورة في القرآن تُدعى سورة "الإنسان" لتعلمنا أن الإنسانية بحد ذاتها هي جوهر التدين. فقبل أن نبني الأكوان علينا أن نبني الإنسان من الداخل، وإلا عاش كالحيوان الثائر في جنة يخربها بيده. فإذا اكتملت إنسانية العبد وارتقى، أصبح خليفة لله يعمر الأرض بالسماحة والسلام.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف تعبر الصراط بعبادة صامتة؟ تجليات المحبة وسماحة الأمة المحمدية)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة القبول وسعة الفضل الإلهي: قراءة عقدية في أسرار النجاة ومقام الحقيقة المحمدية)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب والعبادة الصامتة: قراءة في أسرار السماحة وبناء الإنسان عند الأمة المحمدية)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار التزكية والعبادة الصامتة: معراج القلوب في مدارج المحبة والسماحة المحمدية)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (التأصيل العلمي الأكاديمي لتوجيهات العبادة الصامتة ومعاني الإنسانية والسماحة)التوثيق العلمي
