كيف تعبر الصراط بعبادة صامتة؟ تجليات المحبة وسماحة الأمة المحمدية
كيف تعبر الصراط بعبادة صامتة؟ تجليات المحبة وسماحة الأمة المحمدية
أيطمع العبد، يا ولدي، أن يعبر أهوال يوم القيامة، لا بكثرة صلاةٍ ولا بوفير صيام، بل يَلِجَ الجنة بعبادة صامتة خفية؟ كأن يقول بلسان حاله ومقاله: "أنا أحب هذا الرجل الطيب الصالح"، أويكفي هذا فحسب؟ نعم يا ولدي، فقد تواترت الأخبار في فضل الحب في الله ⁽¹⁾ [صحيح البخاري]. ولعلك تسألني عن شواهد هذه المحبة الصادقة؟ إنها، يا بني، تتجلى في وفاءٍ واكتفاء؛ محبةٌ راسخةٌ لا تزيد بوصلٍ وود، ولا تندثر بصدٍ وهجر، بل هي اكتفاء تام بالمحبوب. وإني لأقول لك بلسان اليقين: لو أُعطيتُ ما بين الأرض إلى العرش بدلاً من أخي، لما رضيتُ بأخي بديلاً، لا في الملك ولا في الملكوت. واعلم، يا ولدي، أن أول ما يُرفع من الأرض من أثر الوحي هو "الحب"، وحينها سنبحث عن جوهر الدين فلا نكاد نجده. إن الحب في الله يقتضي منا أن نجتمع على نوره؛ ففي ساعة اجتماعنا كنا نتلألأ كنجومٍ زاهرة في قبة السماء، وعليه كذلك نفترق. وحين يمضي كلٌّ منا في سبيله وفي اتجاهه، تبقى المحبة متأصلة، ويبقى الود موصولاً؛ فالرجل الصالح، يا بني، لا ينسى وِداد عُمرٍ كاملٍ بهجرِ لحظةٍ عابرة. وتأمل معي في سر القبول حين تقرأ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. ألم يكونا عباداً لله؟ ألم يكونا من المنفقين؟ بلى، لقد ﴿قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. أتدري، يا ولدي، أين كانت المعضلة؟ إنها في سر القبول. فحين قال أحدهما متوعداً: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، أجابه الآخر بلسان العارفين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. كلاهما قدّم وأحسن، بيد أن هذا ارتقى ليكون شاهداً، وذاك ظل سالكاً؛ فتجلّى مقام المشاهدة في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. وهذا يعلمنا درساً روحانياً جليلاً: أن من عصى الله فينا، لا نرد عليه بمعصية الله فيه، بل نلجأ إلى جناب ربنا، وهو سبحانه يتولى مداواته. واعلم، يا بني، أن زينة هذه الأمة المحمدية تكمن في السماحة. ففي مشاهد الآخرة العجيبة، قد ترى رجلين؛ أحدهما قاتلٌ والآخر مقتول، والاثنان آخذان بأيدي بعضهما البعض ليدخلا الجنة معاً ⁽²⁾ [صحيح البخاري ومسلم]. هذه المكرمة لم تقع في الكون قط إلا كرامةً وتطييباً لخاطر نبينا المصطفى. ولنا في التاريخ أسوة؛ فها هو سيدنا عكرمة بن أبي جهل ⁽³⁾ [الصحابي الجليل، ت: ١٥ هـ]، الذي كان يصول ويجول سيفه قاتلاً وهادماً لصفوف المسلمين في غزوة أُحد، أسلم وحسن إسلامه، وقَبِلَ منه النبي المصطفى توبته، ثم ارتقى شهيداً في سبيل الله، ليدخل مع المتقين إلى خمائل الجنان. وفي صفحات السيرة المضيئة، إبان غزوة بني المصطلق، نشبت فتنةٌ عمياء بين جماعة من الأنصار، وقد سعى اليهود في تأجيج نارها. فلما علم نبينا ﷺ، أقبل مسرعاً وقال مستنكراً: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» ⁽⁴⁾ [صحيح البخاري]. ثم تلا عليهم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾؛ وحبل الله هنا، يا ولدي، هو القرآن، وهو الدين القويم. والاعتصام به يعني العودة إلى الله؛ فإن شقّ عليكم الأمر فاقرأوا القرآن، وإن عجزتم فتمسكوا بهدي النبي المصطفى. وتمم الآية: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وعند أهل العرفان، فإن "حبل الله" هو سيدنا النبي، و"نعمة الله" هي سيدنا النبي. فلما تلا ذلك على مسامعهم، خمدت نار الفتنة وانطفأت. ثم تنزل الآيات مرشدة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، لنعود في النهاية إلى الحقيقة المطلقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فانظر يا ولدي إلى عظمة هذه الأخوة كيف تتأسس! إن أول ما صنعه رسول الله ﷺ عند هجرته، وكما شيّد جدران المسجد، فإنه قد شيّد وبنى الإنسان. ألا ترى أن في كتاب ربنا سورة كاملة تُدعى سورة (الإنسان)؟ إنها رسالة ربانية تعلمنا أن الإنسانية ذاتها هي جوهر التديّن. فقبل أن نشرع في بناء الأكوان وتعميرها، يتوجب علينا أن نبني هذا الإنسان من الداخل؛ وإلا عاش بيننا كالحيوان الثائر، تدخله جنة غناء فيفسدها ويخربها. غير أن الإنسان في حقيقته الأصيلة، متى اكتملت إنسانيته وارتقى بروحه، أصبح خليفة الله في أرضه، يعمرها بالنور والسلام والمحبة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة القبول وسعة الفضل الإلهي: قراءة عقدية في أسرار النجاة ومقام الحقيقة المحمدية)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب والعبادة الصامتة: قراءة في أسرار السماحة وبناء الإنسان عند الأمة المحمدية)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية والعبادة الصامتة: معراج القلوب في مدارج المحبة والسماحة المحمدية)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي الأكاديمي لتوجيهات العبادة الصامتة ومعاني الإنسانية والسماحة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ("أعاني يا شيخي من قلة أعمالي التطوعية من صلاة وصيام، وكلما حاولت الاجتهاد تعثرت، ولكن قلبي يفيض بمحبة الصالحين وأهل الله، فهل تكفيني هذه المحبة للنجاة يوم القيامة؟ وفي ذات الوقت، أواجه أذى شديداً وظلماً من بعض الناس، فتثور نفسي وتلح عليّ بالانتقام، وتضيق دائرة الأخوة في عيني بسبب الفتن وتغير القلوب المحيطة بي. فكيف أنجو بـ " العبادة الصامتة "؟ وكيف أطهر قلبي من إرادة الانتقام وأحقق الأخوة والإنسانية التي ترضي الله ورسوله؟")الأسئلة
