بقلم: الشيخ جابر بغدادي
الصبر ليس ضعفاً: تأملات روحانية وأسرار بلاغية في معارج الإحسان من سورتي النجم والإسراء
الصبر ليس ضعفاً: تأملات روحانية وأسرار بلاغية في معارج الإحسان من سورتي النجم والإسراء
حقيقة الضيق وإشراقات الفرج المنتظر
أتحسبون، يا ولدي، أن الضيق يقف عند حده فلا يعقبه فرجٌ قريب؟ وتظنون أن الشدائد ستدوم على حالها وتطبق على الأنفاس أبدَ الدهر؟ لقد طالت جراح الكثيرين من العباد، ووقع عليهم من الظلم أشدّه، ومسّهم من الأذى أبلغه، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وباتت القلوب في وحشةٍ من ثقل البلاء.
سر الصبر الجميل في عين العناية الإلهية
ها نحن أولاء نبسط لك يد العون والمدد روحانيّاً؛ فإن عجزت عن الصبر وضعفت نفسك عن احتماله، فإني أدلك على سرٍّ جليل ودواءٍ ناجع، يفسح صدرك لتتحمل أذى الخلق احتمالاً، وتثبت مع الحق صبراً ورضا.
تأمل قول الحق جل جلاله في محكم تنزيله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}⁽¹⁾؛ فما أعظمه من شعورٍ يغمر قلبك بالسكينة حين تستشعر أن الله تعالى ناظرٌ إلى ألمك، وعالمٌ بوجيعتك أكثر من علمك بها، وأن ما تجده من المشقة ليس عند الله هيناً ولا قليلاً، بل يعلم سبحانه أنك تتحمل البلاء من أجله وفي سبيله.
قد تكون قادراً على أن تُنفذ غضبك وتأخذ ثأرك ممن ظلمك، ولكنك تواضعت لله، وطامنت من كبريائك صبراً وإجلالاً لمقامه السامي.
قيام الليل وتسبيح الأسحار: مدد المكروبين
فإن عزّ عليك الصبر وشقّ عليك المسير، فاستعن بما أرشدك إليه الخالق سبحانه إذ يقول: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}⁽²⁾؛ والمعنى هنا يوجب عليك إذا قمت للتهجد في جوف الليل، أن تسجد لربك وتلهج بسبحات حمده.
إن حاولت الصبر وعجزت قواك، فاستمد العون من قيام الليل ومناجاة الأسحار؛ فإن ضعفت عن القيام فاشتغل بالتسبيح والذكر؛ وإن فاتك ذلك في جوف الليل، فامتثل أمره تعالى في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}⁽³⁾.
التأسي بالنجم الأعظم والحبيب الأكرم في الشدائد
فإن فعلت هذا كله وما زال الضعف يراودك ولم تقو على التحمل، فتعزَّ وتسلَّ بما جاء في افتتاح سورة النجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}⁽⁴⁾.
قد تسأل: ماذا نصنع حينئذٍ يا ولدي؟ فأقول لك: إن شقّ عليك التسبيح وإدبار النجوم، فتعزَّ بالنجم الأعظم والحبيب الأكرم ﷺ؛ تذكر كم صبر حبيبنا المصطفى، وكم حلم على قومه، وكم وسعت رحمته الجناة والمعتدين! لقد كان يوم أحد حين أدمي وجهه الشريف، تتساقط قطرات دمه الطاهر، فيضع كفه الشريفة يلاحقها ويتلقاها، رحمةً بهم وشفقةً عليهم، ويقول في ذلك: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»⁽⁵⁾؛ وهو معنى يشهد له حديث سيد الأمة الإمام الشهيد عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) (ذو النورين وأحد الخلفاء الراشدين) حين روى استخفاف النبي بالدم دفعاً للعذاب عن أمته.
الصلاة على النبي وسر العروج في مقامات الصابرين
فإن وجدت نفسك بعد كل هذه المحاولات عاجزاً عن الصبر، فأكثر من الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ، ليعلم الناس من أين تأتي المعارج الروحية والفتوحات الربانية، ولترى السماوات ببروجها ومغاليقها كيف تُفتح ومن الذي يستفتح أبوابها.
انظر إلى ترتيب السور في كتاب الله؛ فإن سورة الإسراء تسبقها سورة النحل، وقد ختم المولى سبحانه وتعالى سورة النحل بقوله العظيم: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}⁽⁶⁾.
معراج الروح في الصبر والتسليم
فإن كنت تروم الترقي في المعارج العلية، فاصبر؛ وإن أردت أن يسري الله بروائح لطفه بك، وأن يسرّي عن قلبك همومه وأحزانه، فاصبر في مقامك هذا؛ فإن الصبر هنا هو الإسراء الحقيقي، والصبر هنا هو المعراج الروحاني؛ هل أدركتم هذه الإشارة اللطيفة يا ولدي؟ لقد وعينا الرسالة وبلغنا مقصودها.
فإن ضعفت همتك ولم تقو على الصبر، فصلِّ على النبي؛ فإن عجزت فسبّح بحمد ربك؛ وإن شق عليك فقم الليل؛ فإن كانت الوجيعة ثقيلة الوطأة على فؤادك، فاجعل سيرة المصطفى ﷺ نصب عينيك وأمام بصيرتك.
معية الله للمحسنين وجبر الخواطر المنكسرة
فإن تساءلت: ألا يوجد حلٌّ آخر بعد هذا كله؟ وإذا قلت: لست بقادرٍ على الصبر، ولا أستطيع دفع الحزن عن قلبي، ولا أقوى على الإتيان بشيء من هذه الأعمال؟ جاءنا المدد الرباني ليعزينا ويواسينا عزاءً آخر لا يقل عن سابقه؛ إذ يقول الحق سبحانه في ختام سورة النحل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}⁽⁷⁾، ثم يعقبها مباشرة بقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا}⁽⁸⁾؛ وكأنه سبحانه يعزيك ويواسيك بأننا معك بالمعية الخاصة.
فانظر كيف قال في الموضع الأول عند الحث على الصبر: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، فلما اشتد الأمر وعجز العبد عن الصبر، قال له مجبراً لكسره: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.
كمال الرضا والاكتفاء بمشيئة الله تعالى
ففي قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، يبين لك أنك بمرأى منا وعناية، فإن صبرت وتحملت كنت متحققا بسرّ قوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}، وأما في الموضع الآخر فيبين لك معية اللطف: {فَإِنَّكَ مَعَنَا}.
فالعبد في حال صبره هو مع الله، وفي حال رضاه هو مع الله، وفي حال إحسانه هو مع الله، مندرجٌ في تمام طي كمالات عبوديةٍ صادقة، هي تلك العبودية الشريفة التي قيل في ثنائها: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىٰ}⁽⁹⁾.
وأما في كمال رِضَى العبد، فيكفيه يقيناً أن الله تعالى يعلم ما نزل به من الضر، وأنه سبحانه مطلعٌ على بلواه، وقد رأى الظالم حين طعن وبطش وظلم.
إن علمي بأن الله يراني، وعلمي بأنني في معية الله، وعلمي بأن الله محيطٌ ببليتي ومصيبتي، قد غلبني وملك عليَّ أقطار نفسي، حتى منعني من السخط وأوزعني أن أسأل الرضا، اكتفاءً بمشيئة الله تعالى وتسليماً لقضائه؛ وهذا التسليم والاكتفاء هو السر الأعظم الذي رقى بالعبد وسمت به منزلته من بين سائر النجوم، ليكون متحققاً بصفاء العبودية في قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}⁽¹⁰⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الرضا والتسليم في تأملات سورة النجم: أسرار المعية الإلهية وتوحيد الأفعال عند الشدائد)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الصبر والاستعانة بالعبادات في تأملات سورة النجم: أحكام قيام الليل والقصاص والرضا بالقضاء)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (معارج التزكية وسلوك الصابرين: أسرار الإحسان والرضا في تأملات سورة النجم والإسراء)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (الصبر مش ضعف (تأملات من سورة النجم): تفريغ نصي دقيق وتوثيق علمي رصين لاستنباطات الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (ضيق الصدر من ظلم الخلق والشعور باستمرار البلاء: كيف أجد الفرج وأصبر دون ضعف؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (العجز عن الصبر وضعف الهمة عن قيام الليل والذكر: كيف أنال الفرج وأصل إلى الرضا بقضاء الله؟)الأسئلة
