بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الحرمان من القرآن: ثلاثة موانع تحجبك عن أنوار كلام الله
أسرار الحرمان من القرآن: ثلاثة موانع تحجبك عن أنوار كلام الله
نعيم القرب: سيدنا محمد في الدنيا أعظم من جنة الآخرة
اعلم يا ولدي أن هناك ما هو أفضل من الجنة، وإن في دار الدنيا شيئاً أعظم خطراً من النار. فتتوق النفوس متسائلة في دهشة: وماذا عساه أن يكون ذلك الشيء الذي يفضل الجنة في دار الفناء التي لا قدر لها ولا قيمة؟ والنار هولها عظيم وخطرها جسيم، وقد عبرت عن شدتها الآيات المحكمات، والأحاديث الشريفات، والروايات المأثورات! فأقول لك نعم، إن الذي في الدنيا وهو أعظم من الجنة، هو حضرة سيدنا ومولانا محمد «صلى الله عليه وسلم».
حتى إن بعض العارفين، ممن ذاقوا حلاوة القرب، كان إذا صلى عليه قال: "اللهم صل على جنة الجنة". فتأمل يا ولدي هذا النداء البديع: "اللهم صل على جنة الجنة، وجُنة الجِنّة، وأُنس الإنس". فلما قيل لهم: صفوا لنا نعيم الجنة ومباهجها، قالوا كلمة واحدة تختصر كل جمال: "فيها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»". فماذا عساها أن تكون الجنة بعد ذلك؟ وما الذي فيها قد يفضل هذا العطاء؟ وأي شيء أحلى وأبهى من حضرة سيدنا النبي؟
تخيل يا ولدي، أنك في هذه الدنيا الفانية، أولاً: قد ساق الله إليك بفضله، وصنع ونسب إليك روضة من رياض الجنة. وثانياً: أن يصلى فيها على "جنة الجنة"، ليجعله الله لك وقاية وجُنة من شرور الجِنّة، وتستأنس بنوره عن وحشة الإنس. فلما سُئل العارف: وما الذي في الدنيا أحسن من الجنة؟ أجاب بلا تردد: سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم». فهل يوجد في الدنيا برمتها، بل وفي الجنة ذاتها، ما هو أحسن وأبهى من حضرة سيدنا النبي؟
الغفلة: نار الدنيا وعمى البصيرة
ثم قيل له: وما الذي هو في الدنيا أشد هولاً وخطراً من النار؟ فأجاب إجابة العارفين: "الغفلة". نعم يا ولدي، الغفلة! فاقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾⁽¹⁾. فيحتج العبد متعجباً: يا رب، لقد كنت في الدنيا مبصراً أرى الأشياء! فيأتيه الرد اليقيني: كلا، إنك لم تكن تبصر شيئاً، أكنت تظن نفسك صاحب بصيرة؟ أبداً، بل كنت أعمى القلب. وكيف ذلك؟ لأنك نظرت إلى الشمس فلم تبصر الذي وهبها النور، ونظرت إلى القمر فلم تشهد الذي أضاءه، ونظرت إلى السماء فلم ترَ الذي رفعها، ونظرت إلى الأرض فلم تشهد الذي بسطها، وشاهدت الجبال الرواسي فلم تبصر الذي أرساها. لقد أعمتك الآثار والأغيار عن مطالع الأنوار، ثم أعمتك الأنوار ذاتها عن النور الأجل، ثم التَهَيتَ في النور فحُجبت عن الحضور.
إن الإنسان منا في عالم الدنيا البتلاء، كالغريق في لُجج متلاطمة من الغفلات، غيبوبة لا يصحو منها، ولا يفيق من سكرتها إلا بما يلى : القرآن، وذكر الله، وحب أهل بيت النبي «صلى الله عليه وسلم». فهذه هي الأدوية الشافية لأدواء هذا الوقت وعِلله.
القرآن: ترياق القلوب وباب الوصول
القرآن يا ولدي، هو الدواء الشافي والترياق المجرّب لداء هذا العصر. أتروم أن تكون محمدياً خالصاً؟ اقرأ القرآن. أتبتغي القرب من حضرة سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم»؟ اقرأ القرآن. أتريد أن ينير الحق سبحانه وتعالى بصيرتك؟ اقرأ القرآن. أترجو أن ينضبط لسانك وتستقيم كلماتك بالحق؟ أكثر من تلاوة القرآن، ألم تقرأ قوله تعالى لسيد الوجود: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾⁽²⁾؟ أتبتغي أن يتصل لسانك بلسان حضرة سيدنا النبي؟ فلتكثر من قراءة القرآن؛ لأن القرآن هو لسان حضرة النبي. فإن أردت اتصالاً دائماً بسيدنا النبي، فالزم كتاب الله.
وأعظم من ذلك يا ولدي، أتريد أن يكون قلبك منطوياً على قلب حضرة سيدنا النبي؟ وما معنى أن يكون قلبك على قلبه، ولسانك على لسانه؟ المعنى الجليل هنا: أنه متى استقر قلبك على قلب سيدنا النبي، ارتحلت منه الهموم الغاشمة، وانزاحت عنه الأغيار المظلمة، وصار لا يرى ولا يسمع ولا يجد إلا بنور الحقائق المحمدية، والتنزلات القرآنية. وكما قيل في لطائف المعاني: "فما سكنت والهم يوماً بموضعٍ... كذلك لا يسكن مع النغمِ الغمُّ"⁽³⁾. نعم، لا يجتمع الغم مع هذا النغم الرباني في قلب واحد أبداً.
ولكن، كيف السبيل ليكون قلبي على قلب سيدنا النبي حين أقرأ القرآن؟ السر هنا يا ولدي، أن قلب سيدنا النبي هو مَهبط ذلك التنزل الإلهي، هو عرش هذا التجلي الأعظم. تأمل قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾⁽⁴⁾. على من نزل؟ هل نزل على جبل الطور؟ لو نزل عليه لاندكّ دكاً ولم نجد له أثراً. هل نزل على جبل أُحد؟ لاختفى من الوجود.
فإنه لا توجد قوة في هذا العالم بأسره تطيق وتتحمل تجلي قول الحق عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽⁵⁾، فعلى الرغم مما تفيض به هذه الآية من كمال الجمال، إلا أن جلال ما انطوت عليه من الكمال يُهلك ويُبيد. لا توجد قوة في الوجود تتحمل هذا النور إلا وتذوب من وطأة تنزله، إلا قلب واحد، هو قلب سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم». فإذا أردت أن يمدك الله بالقوة والرجولة الروحية لتتحمل فتن وما يجري في زماننا هذا، فاجعل قلبك مستنداً على قلب النبي، والوسيلة الكبرى لذلك هي: القرآن.
فبمقتضى قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، فإن لسانك حين يلهج بالقرآن، سيتصل حتماً بلسان سيدنا محمد، ووجدانك حين يغوص في معانيه، سيتصل بوجدان سيدنا محمد.
مراتب المؤمنين مع القرآن: البصمة العطرية للقلوب
وما الذي يحجبنا إذاً عن القرآن؟ هناك ثلاثة أشياء .. وأود هنا أن أوجه تنبيهاً دقيقاً لإخواننا من أهل الله وأهل الذكر؛ إذ ألحظ كثيراً أن شريحة واسعة من سادتنا المريدين، والمحبين، بل وبعض المشايخ أيضاً، يبالغون في الانقطاع للأوراد والأذكار والأحزاب، بينما يكاد اهتمامهم بالقرآن العظيم أن يكون منعدماً. لا يقترب أحدهم من المصحف قط، مكتفياً بتسبيحه. ولا شك أن التسبيح أمر جليل وعظيم، وذكر الله لا خلاف على فضله ومقامه، ولكننا قد نعذر من يفعل ذلك إن كان أمياً لا يحسن القراءة. أما أن يهجر القادرُ القرآن، فتلك والله خسارة فادحة. ولماذا؟
استمع بقلبك إلى هذا الحديث النبوي الشريف: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ... كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ»⁽⁶⁾. وقد فسرها بعضهم للتسهيل بالتفاحة ونحوها. وما شأن هذه الأترجة؟ قالوا: إن ريحها زكي طيب، وطعمها حلو سائغ. هذا هو حال المؤمن الذي يقرأ القرآن. وما علاقة الريح والطعم هنا؟ السر أن "الإيمان" الكامن في القلب هو الطعم الحلو، أما "القرآن" فهو العطر الفواح لهذا المؤمن.
وبهذا العطر يُعرفون في الملأ الأعلى! فلكل ولي من أهل الله عطر روحاني يميزه بين أقرانه. ومن هذا السر نفهم قول سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾⁽⁷⁾. فيا لله! هل كان ليوسف ريح معروف؟ نعم يا ولدي، لكل واحد من أهل الصفاء ريح طيب، وهم يعرفون بعضهم بعضاً بهذه الروائح الروحانية. ألم يكن سيدنا النبي «صلى الله عليه وسلم» إذا دخلت عليه السيدة فاطمة البتول يتشممها ويقول: «هي ريحانتي من الجنة»⁽⁸⁾؟ ولماذا كان يشمها؟ لأن لها عطراً خاصاً، وأنواراً متفردة لها أذواق يدركها أهل الاختصاص؛ فهي ليست أنواراً معتمة أو مبهمة، بل هي أنوار تُستنشق وتُتذوق.
فالمؤمن كلما تلا القرآن، فاحت رائحته فعرفه أهل الله؛ فيغدو له ريح طيب. والإيمان مستقر في جوفه فهو الطعم، فإذا عاشرناه وتعاملنا معه، أدركنا صدق معدنه من زيفه. فالمؤمن القارئ للقرآن كالأترجة الحسناء، الظاهر والباطن فيها سواء في الجمال. ومن أعظم بركات القرآن ومميزاته أنه يعينك على استواء ظاهرك مع باطنك، فيجعل الظاهر زكي الرائحة، والباطن حلو المذاق.
ويكمل الحديث الشريف: «وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ...». وهل يوجد مؤمن لا يقرأ القرآن؟ نعم، قد يكون مقصراً، أو مبتلى، أو في قلبه ذرة من كبر، أو ربما شح وبخل... وسنأتي لاحقاً على تفصيل موانع القرآن. المهم، كيف وصفه الحديث؟ قال: «كَمَثَلِ التَّمْرَةِ»⁽⁹⁾. هو مؤمن، وقد اتفقنا أن الإيمان هو حلاوة الطعم، فطعمها حلو، ولكن «لَا رِيحَ لَهَا». وعجباً، كيف لا ريح لها؟ لأنه هجر تلاوة القرآن.
فاعلم يا ولدي أن بصمتك العطرية في عالم الروح ترتفع وتتألق بقدر حظك من تلاوة القرآن. فكيف يشمك أهل الله ويعرفون طعمك وريحك؟ ذلك مرهون بمدى ارتباطك بكلام الحق تبارك وتعالى قراءةً وتحققاً. فالتحقق هو الإيمان الباطن، والقراءة هي النور الظاهر، ومن هجر القرآن صار كالتمرة، طيبة المذاق في جوفها، ولكنك إن شممتها لم تجد لها ريحاً يفوح!
ثم يشتد الوصف فيقول: «وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ...»⁽¹⁰⁾. يا للعجب! هذا باطنه خرب، ولكن ظاهره مبهر! فتجده صاحب صوت شجي ومقامات بديعة، يذهل السامعين، متجاوزاً أقرانه في حسن التلاوة، يقوم الليل العتيم بالقرآن -زادنا الله وإياه من فضله-، فما مَثَل هذا الصنف؟ قال: «كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ». ريحها زكي فواح ببركة التلاوة، ولكنك إن عاملته واختبرت باطنه وجدته كالحنظل! طعمها مر قاتل.
فمَثَل هذا المنافق القارئ كالريحانة، ريحها طيب لبركة القرآن، وطعمها مر؛ لأن هذا القرآن لم يصادف في جوفه وجداناً صادقاً، ولا باطناً مخلصاً، ولا إيماناً مستودعاً في مخزن القلب. أما الطامة الكبرى، ففي قوله: «وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ...». فهذا مآله إلى بوار ومصيبته جلل! باطنه خرب وظاهره مظلم! قال عنه النبي: «كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ»⁽¹¹⁾. لا ريح لها، وطعمها مر، مرارة في الظاهر والباطن!
أرأيتم يا ولدي ماذا يصنع القرآن بالعبد؟ وإلى أي المقامات يرفعه؟ إن هذا القرآن لا يمنح مجرد رائحة تميز، بل ينفح شذىً ربانياً يعبق في الوجود.
الموانع الثلاثة: لماذا نُحرم من القرآن؟
فما الذي يمنعنا إذاً من تلاوة القرآن؟ إنها ثلاثة أشياء نقف عندها بإيجاز لنختم بها مجلسنا. ما هي تلك الآفات التي تحجب الإنسان عن كلام ربه؟
المانع الأول: البخل.
نعم، البخل من أعظم موانع القرآن. فالبخيل الشحيح لا يُفتح له في تلاوة القرآن. ولماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾⁽¹²⁾. فمن دلائل تيسير الله لك سُبل اليسرى أن يمنحك نعمة القرآن. فما الذي يصدك عنه؟ اعلم يا ولدي أن القرآن "كريم"، والكريم لا يُمنح لبخيل أبدًا.
ولهذا، يصف لنا سيدنا عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما علاقة حضرة النبي الشريفة بالقرآن، وهي علاقة عجيبة مذهلة، فيقول: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ... فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»⁽¹³⁾. فتأمل كيف كان حال سيدنا النبي، كلما فتح الله له سورة، أو أكرمه بآية، أو أنزل عليه نفحات من الوحي؛ قابل هذا الكرم الإلهي ببسط العطاء لخلق الله، وكأنه يقول بلسان الحال: "كما أخذنا من الله بكرم وجود، نعطي خلق الله بكرم وجود".
أفينزل عليك أنوار القرآن ثم تقبض يدك وتشح؟ لا، إذن دعه لك فلن تنتفع به، ويبدو أنك لم تفقه سر طريقنا بعد. فلنضعها قاعدة راسخة: إذا سألتني، ما الذي يمنعني عن القرآن؟ أقول لك يا ولدي: "القرآن كريم لا يُعطاه بخيل". هل وعينا هذه القاعدة؟ الأمر ببساطة أنه كلام الله ونور الله يا بني، وهذا النور لا يُستودع في قلوب مكدسة بحب المال والشح. فأول المحرومين من نور القرآن هو البخيل.
المانع الثاني: الكِبر.
وإذا ذُكر الكبر، انصرفت عقولنا البسيطة والنظرات السطحية مباشرة إلى الإنسان المتعجرف الفظ. ولكن الحقيقة الخفية، أنه قد يكون الإنسان متكبراً متدثراً برداء التواضع! يظن في قرارة نفسه أنه أفضل منك؛ لكونه متواضعاً. وهنا يطالعنا الفهم الدقيق لسيدنا الإمام الفضيل بن عياض حين يقول: "من أثبت لنفسه التواضع فقد سقط في الكبر"⁽¹⁴⁾. فمن أين تبدأ آفة الكبر؟ تبدأ من مجرد إحساسك الداخلي بأنك رجل متواضع! تبدأ من شهودك لتواضعك واستحسانك لنفسك. فإحساسي بأني متواضع هو أولى عتبات الكبر. ولماذا؟ لأنني التفتُّ إلى نفسي ورأيتها. والله تبارك وتعالى يقضي بحكمه العدل فيقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾⁽¹⁵⁾.
فيأتي المرء يشتكي صارخاً: عجباً! لقد عُمل لي سحر! كلما أمسكت بالمصحف عُقد لساني ولم أقوى على القراءة. فأقول له: لا يا مسكين، ليس بك سحر، بل العلاج في: {واسجد واقترب}. اذهب فتوضأ وضوء الخاشعين، واحنِ ظهرك، ومرغ جبهتك في التراب طويلاً، تنازل قليلاً وِطأ كبرياءك. ادفن نفسَك أرضاً أرضاً؛ حتى تسمو بك الروح سماءً سماءً. انزل واسقط من بروج عُلاكَ الوهمية. وقد نصحتك مراراً: لا تُفتن بنفسك ولا تطل الوقوف أمام المرآة مبهوراً. فالكبر لا يبدأ من ليّ العنق، أو وضع ساق على ساق، أو فرد الصدر خيلاء على الناس؛ بل يبدأ الكبر الخفي من شعورك بتميزك وتواضعك!
وما فوق ذلك من مراتب الكبر الغليظ فأنتم بها خبيرون، ولكن هذه الدقيقة العرفانية قلّ من ينتبه لها. أما باقي المظاهر فمعروفة بنص التنزيل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾⁽¹⁶⁾، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾⁽¹⁷⁾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾⁽¹⁸⁾، ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾⁽¹⁹⁾. فتأمل كيف نُسب صاحب الصوت العالي الخالي من الأدب في النهاية إلى أين؟ إن لم تكن ممتلئاً بأدب التواضع، فحتى نبرة صوتك ستُفضح، لابد أن يكسوها جلال التواضع، صوتاً مدعوماً ببركة الاتصال بسيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم».
انظروا إلى سيد المتواضعين «صلى الله عليه وسلم» حين يقول: «إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد»⁽²⁰⁾. فما هو أعظم ما يميزني؟ كل حال تستشعر فيه عبوديتك الخالصة لله، فاحمد الله، فقد نجوت من فخ الكبر المبطن بالتواضع. وكل مقام تحس فيه بوجودك وكيانك وأنك مميز به على خلق الله، فاعلم أنك قد انزلقت في دركات الكبر. ولا حاجة لي أن أسهب في وصف الكبر الظاهر، فكلنا نعرفه.
إذن، ثاني الموانع عن القرآن هو: الكبر. والسبب واضح وجلي في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ﴾. فمن الذي يصرفك ويبعدك؟ إنه الله جل جلاله! فهل صنع لك أحد عملاً؟ هل هناك جان يمنعك؟ أو شيطان يصدك؟ لا، لا، إنما أنت موقوف بحكم إلهي! يقول أحد أئمة السلف العظام: "ما جلست مجلساً رفعت نفسي فيه على خلق الله؛ إلا أذلني الله فيه قبل أن أقوم"⁽²¹⁾. يعني ما تصدرت مجلساً وتعاليت فيه متبختراً على الناس، إلا وسلط الله عليّ من يذل كبريائي قبل أن أبرح مكاني. هل فهمنا الآن المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾؟
هل عرفتم لماذا نعجز عن قراءة القرآن؟ لعلك لويت عنقك تكبراً على جارك، أو نصبت نفسك جباراً على فقير، أو استقويت على ضعيف، أو لعلك وطئت بقدمك على طرف إنسان مقهور لا يملك ناصراً إلا أن يقول "يا رب". فلما استكبرت ومنعته من أن يكلمك بغرورك؛ عاقبك الله ومنعك من أن تكلمه بمناجاة كلامه بكبرياء جل جلاله. لما تكبرت على خلق الله؛ عاملك الله بكبرياء الربوبية.
ثم يا سادتي، نحن جميعاً واقفون على باب فضل الله، كلنا طلاب حاجة. فالناس الذين يرجون منا العون واقفون على بابنا، ونحن حين نرجو فضل الله نقف على بابه، والكل على الباب سواسية في الطلب. وكنت أدعو دائماً بهذا الدعاء المأثور في قلبي: "اللهم إن لي فيك عشماً ورجاءً، ولخلقك فينا عشم ورجاء، فلا تقطع رجاءنا منك، حتى لا نقطع رجاء من رجانا. فإنه من قطع رجاء من ارتجاه؛ قطع الله رجاءه منه يوم القيامة". فاللهم إن لنا فيك رجاءً لا يخيب، ولخلقك الضعفاء فينا رجاء، فلا تقطع رجاءنا من فضلك حتى لا نقطع رجاء من لاذ بنا. فقد جاء في الأثر المرفوع المتصل بالمعنى الثابت عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «من قطع رجاء من ارتجاه، قطع الله رجاءه منه يوم القيامة»⁽²²⁾. فاللهم صِل رجاءنا بك، حتى نَصِل رجاء من ارتجانا من خلقك.
المانع الثالث: مجانبة الطهر والاجتراء على المعاصي.
وقد ذكرنا البخل والكبر، والثالث هو: مجانبة الطهر. لأن الحق تبارك وتعالى حكم على القرآن بحكم قاطع فقال: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾⁽²³⁾. فكتاب الله لا يمسه إلا من تطهر. وقد يسأل سائل: وما معنى يمسه هنا؟ وهل يقتصر الأمر على مس المصحف الورقي؟ قد يقول قائل: يمكنني أن أمسك المصحف وأنا غير متوضئ. فما سر قوله ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾؟ أشار بعض أئمة التفسير وأهل البصيرة إلى أن المعنى أعمق: "لا يمسه" أي لا يرث أسراره، لا يقترب من أنواره (فالمس هنا مس اقتراب روحي)، لا يعرف جليل معانيه، ولا يدرك رفيع مقامه، ولا تتدلى له كنوزه وأسراره؛ إلا للقلوب التي طهرت باطناً، والظواهر التي أشرقت ناظرة بالحق.
فإذا استعصت عليك قراءة القرآن، فأكثر من الوضوء. رُدّ المظالم لأهلها. ارجع لربك وجدد التوبة تلو التوبة، تُب إلى الله كثيراً. فاعلم أن الاجتراء على معاصي الله، واقتحام حرمات الله، يضرب بينك وبين القرآن حجاباً يمنعك من تلاوته؛ لأنك حينها لست من "المتطهرين".
وإن سألتني، من هم أعظم من تطهروا لتلقي هذه الأنوار؟ أقول لك: هم أهل بيت رسول الله «صلى الله عليه وسلم». ولذلك، يوجد في حضرة القرآن صنفان: أهل دراسة يتدارسونه، وأهل وراثة يتلقون أسراره. ولا يمس حقيقة وراثته إلا أهل الطهارة الكاملة. وأعظمهم أهل بيت النبي، الذين نزل فيهم نص التطهير الإلهي: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾⁽²⁴⁾.
ختاماً، أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يغفر لنا من الذنوب ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما هو أعلم به منا. اللهم اغفر لنا يا رب، اللهم استرنا يا رب، اللهم عافنا يا رب. اللهم ارزقنا كرامة من كرائم القرآن، اللهم ألبسنا تيجان القرآن، وحَلِّنا بحُلية القرآن، واجعلنا من خواص أهل القرآن. اللهم أَجْرِ على ألسنتنا ذكرك، اللهم أَجْرِ على ألسنتنا نورك. اللهم يا رب أعوذ بك من الغفلة ومسالك الغافلين. اللهم إنا نسألك يا رب العالمين، مستجيرين بك بحق حبيبك ومصطفاك سيدنا محمد «صلى الله عليه وسلم»، أن لا تكتب علينا ذلة، ولا مذلة، ولا ضيقة، ولا غفلة. اللهم وتوفنا مسلمين يا أرحم الراحمين. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
