بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار السكينة الغائبة: لماذا لا تزور الملائكة بيتك؟ | توجيهات الدكتور جابر بغدادي
أسرار السكينة الغائبة: لماذا لا تزور الملائكة بيتك؟ | توجيهات الدكتور جابر بغدادي
موانع السكينة: النجاسات المعنوية والجرأة بالأبصار
اعلم يا ولدى -أنار الله بصيرتك- أن أي شيءٍ يجلب النجاسة إلى بيتك، فإنه يمنع دخول ملائكة الرحمة منعاً قاطعاً لا لبس فيه.
ولا يذهبن ظنك إلى مجرد النجاسات الحسية الظاهرة فحسب؛ فإن النجاسات المعنوية أشد فتكاً وأعظم طرداً لأهل السماء.
إن قطع الأرحام يمنع الملائكة من البيوت، وأكل المال الحرام يمنع الملائكة من البيوت، وأكل الربا يمنع الملائكة من البيوت؛ فكيف تطمع في مجاورة النور المَلَكي وأنت تغذي أركان بيتك بظلمات المعاصي؟
وزد على ذلك يا ولدى آفات الجوارح؛ فإن الجرأة بالأبصار وإطلاقها على ما لا يليق بالعيون التي ما خُلقت إلا للشهود والنظر إلى الجمال الإلهي ومفاتح الخير، يمنع الملائكة من دخول البيوت.
إن العين جوهرةٌ نورانية أودعها الله فيك لتشهد بها آيات الصانع، فإذا اجترأت بها على المحرمات، ودنست حماها بالمآثم، انقبض نورها، وحلت الوحشة في دارك، وفرت ملائكة الطهر والسكينة من مجلسك؛ لأن الملك نورٌ محض، ولا ينسجم النور مع ظلمة الجرأة على محارم الله.
كرامات تلاوة سورة الكهف وتنزّل السكينة بالقرآن
تأمل معي يا ولدى بنور اليقين ما حدث في الزمن الأول، حين جاء سيدنا أُسيد بن حُضير رضي الله عنه (ت : ٢٠ هـ) (أحد نقباء الأنصار وساداتهم) ⁽¹⁾ ليقول لسيد الخلق: يا رسول الله، كنت أقرأ سورة الكهف في صلاتي في جوف قيام الليل، وإذ بسحابةٍ نورانية قد أظلتني! فماذا كان جواب سيدنا ومولانا النبي ﷺ له؟ لقد نطق بالحق المبين قائلاً: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» ⁽²⁾، وفي روايةٍ أخرى يبين فيها النبي العظيم سر هذا المشهد بقوله: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» ⁽³⁾.
إن هذا التوجيه النبوي الشريف يثبت لنا بالدليل الساطع أنه قد كانت هناك كراماتٌ ثابتةٌ أيام الصحابة الكرام، وبطبيعة الحال فإن الكرامات حقيقةٌ قائمةٌ لا تنقطع؛ فهذه كرامةٌ عظيمةٌ وسرٌّ جليل من أسرار سورة الكهف المباركة، تتجلّى لمن صفا قلبه، وخلصت نيته، وطهر محل مناجاته لربه سبحانه وتعالى.
لماذا كذّب بيتك وصدّق القرآن؟ تشخيص العلل الخفية
ولكن قد يثور في ذهنك تساؤلٌ مشروعٌ يا ولدى فتقول مستدراكاً: "إنني أقرأ سورة الكهف دائماً، فلماذا لا تتنزل علينا سحابة السكينة ولا تغشانا تلك الأنوار؟" وهنا أقول لك مرشداً وموجهاً: ارجع إلى بيتك فتفقد أحواله وباطنه، فلربما كذّب بيتك وصدّق القرآن! وهذا المشهد يذكرنا بحديث سيدنا رسول الله ﷺ حين جاءه رجلٌ يشكو أن أخاه يشتكي بطنه، فأمره ﷺ أن يسقيه عسلاً، ثم رجع الرجل يقول: "يا رسول الله، سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً" -أي اشتد عليه المرض-، فقال له الصادق المصدوق ﷺ بتأكيد اليقين: «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» ⁽⁴⁾، إشارةً إلى قوله تعالى في شأن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ⁽⁵⁾.
فإن تساءلت مجدداً بحيرةٍ وتعجب: "ما دام القرآن الكريم تتنزل لتلاوته الملائكة، فما بال بيتي ممتلئاً بالشياطين والوحشة والنزاع؟" فأجيبك بلسان الشفقة والتفقد: راجع الفلوس؛ راجع فلوسك ومصادر دخلها، فلربما تكون القرشين اللذين كسبتهما وأدخلتهما على عيالك من مالٍ حرام! راجع مواطن الظلم في تعاملاتك، راجع طهارة قلبك، وراجع جيبك وما يدخل فيه؛ فإنك إن فتشت بصدقٍ وإنصاف، ستلقى أن هذه الآفات والذنوب هي الموانع الحقيقية التي تحجب نزول السكينة على بيتك.
سر الكلب والصورة: طهارة الباطن والتخلية من الأغيار
نعم يا ولدى، إذا كانت القاعدة الشرعية الثابتة التي لا ريب فيها هي أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة، وهذا حقٌّ صدق وميزانٌ عدل ⁽⁶⁾، فإننا لو نظرنا بعين العقل والحكمة لوجدنا أن الكلب والصورة في ذاتهما لم يؤذيا أحداً من الخلق؛ فلماذا مُنعت الصورة؟ لقد قال السادة العلماء وأرباب البصائر إن الصورة مُنعت لأنها تمثل "الغير" وتشير إلى الأغيار.
ولماذا مُنع الكلب؟ قالوا: من أجل الحفاظ على الطهر والطهارة.
فالقاعدة الجامعة في هذا المشهد الروحاني العظيم هي أن كل ما يجلب ما يجانب الطهر، وكل ما يجلب التعلق بالغير، فإنه يمنع ملائكة الرحمة من دخول البيت.
فالأمر ليس مجرد حكاية كلبٍ وصورة بظاهرها فحسب، لا؛ بل هي مشاهد وإشاراتٌ باطنية عميقة يجب أن تفهم منها ما بين الكلب والصورة من سرٍّ ومشهد؛ فكل شيءٍ يشير إلى غير الله في بيتك -وذلك هو المقصود بالتماثيل والصور التي تشغل عن المنعم- وكل ما يشير إلى الغيرية في قلبك وبيتك يمنع دخول الملائكة.
وأما الكلب، فقد بينوا أنه يمثل بداية النجاسة؛ وعليه فإن أي شيءٍ يجلب النجاسة -حسيةً كانت أو معنوية- إلى بيتك، فإنه يمنع الملائكة منعاً قاطعاً.
عقيدة الإيمان بكرامات الأولياء وشروط تنزّل الرحمات
إن القرآن الكريم هو ذات القرآن بنوره وسره وبركته، ولكن السكينة الملكوتية تتطلب بيتاً نظيفاً طاهراً لكي تتنزل فيه وتستقر.
وقد استنبط العلماء السادات من هذا الحديث الشريف فوائد جليلة وأصولاً راسخة؛ فقالوا إن في هذا الحديث بياناً واضحاً لفضل سورة الكهف ومكانتها العلية، كما أن في هذا الحديث إرساءً لبيان عقيدة الإيمان والاعتقاد بكرامات الأولياء والصالحين.
إن هذا الحديث المبارك قد سمعه سيدنا رسول الله ﷺ من صحابيه الجليل، وسمع حكاية تنزّل السحابة ورؤية النور، ولم ينكر ﷺ نزول السكينة وتجلّي الكرامة على وليٍّ من أولياء الله الصالحين، أليس هذا هو الحق الصراح الذي لا ريب فيه يا ولدى؟ فطهر بيت قلبك وبيت سكناك من كلاب الشهوات ونجاسات المكاسب وصور التعلق بالأغيار؛ لتكون محلاً لرحمات الله، ومهبطاً لسكينة القرآن، ومزاراً دائماً لملائكة الرحمن.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (أسرار الفقه والسكينة: لماذا لا تزور الملائكة بيتك؟ | فقه الطهارة والمعاملات عند الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية والسكينة: لماذا لا تزور الملائكة بيتك؟ | فقه السلوك ومجاهدة النفس عند الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (لماذا لا تزور الملائكة بيتك | توثيق وتفريغ توجيهات الشيخ جابر بغدادي في أسرار السكينة وطهارة القلوب)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (لماذا أقرأ سورة الكهف والأوراد في بيتي ولا أشعر بالسكينة وتكثر الخلافات؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف أعالج قسوة قلبي ووقوعي في المعاصي وأطهر باطني من الشهوات؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (كيف نرد على من ينكر كرامات الأولياء ويدعي انقطاع تنزّل السكينة ورؤية الملائكة؟)الأسئلة
