Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

مقامات القرب وأسرار الحجاب: كيف تكون مع الله في ضوء التزكية المحمدية

مقال سلوكي وتربوي بليغ مستنبط من درر الدكتور جابر بغدادي، يغوص في أسرار القرب الإلهي ومجاهدة النفس، كاشفاً عن حقيقة "الحجاب الحاجز" للقلوب، ومشروعية مجالس الذكر، مع تأصيل التصوف السني كمنهج لإحياء العبادات وتزكية النفوس وبلوغ مقام الإحسان.

مدارج المعية: بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة
كثيراً ما يعتلج في صدر السالك الطامح إلى مراقي الوصال هذا التساؤل المُلِح: كيف أكون مع الله؟ خذ مني يا ولدي الإجابة الشافية من معين التزكية الصافية، واحفظ معي ثلاث وصايا نيرات، لتكون لك دستوراً في طريقك إلى الله: أولاها أن تذكره فلا تنسى، وثانيتها أن تطيعه فلا تعصى، وثالثتها أن ترحم خلقه فلا تقسى.
إن هذه الكلمات الثلاث يا ولدي تجمع بين أصول الشريعة الغراء وثمرات الحقيقة البهية، فمنهجنا في "التصوف السني المعتمد" يقرر قاعدة ذهبية لا محيد عنها: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فإياك أن تظن أن القرب من الله يسقط عنك التكليف أو يهون من شأن العبادات الظاهرة، بل إن مقامات السلوك من زهد ورضا ومجاهدة إنما هي الإحياء الحقيقي لروح العبادات المفروضة، وهي عين "مقام الإحسان" الذي أخبر عنه سيدنا رسول الله .
ولكن، دَعنا نقف هنا وقفة ذوقية لنسأل: هل يفتقر الحق سبحانه وتعالى إلى طاعتنا وعبادتنا لكي يكون في معيتنا؟ حاشا لله! اسمع بقلبك إلى قوله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ⁽¹⁾.
إن حبل الوريد هو سر الحياة النابضة في جسدك، فإذا كان هذا الحبل الذي يمدك بالدماء قريباً منك إلى هذا الحد، فاعلم يقيناً أن الله جل جلاله هو الذي يحييك حقاً، فهو المتجلي بنور قيوميته، وهو أقرب إليك من أنفاسك.
سر حبل الوريد وتشخيص "الحجاب الحاجز"
وهنا قد يثور في وجدانك عجبٌ وتقول: ما دام ربي بهذه القربى، فما الذي يمنعني من شهوده؟ ولماذا لا أبصر أنوار قربه؟ الجواب يا ولدي هو أن الله هو القريب حقاً، ولكنك أنت المحجوب بغفلتك ورعوناتك.
استمع إلى هذا النداء الروحي الشفيف الذي صدح به العارفون: "دع التلفت ترى، دع ما سوانا ترانا، لا تنشغل بالورى، واشهد مليكك لما وفّاك حين اشترى" ⁽²⁾.
يأتيني المريد صادقاً في طلبه متسائلاً: "يا سيدنا الشيخ، كيف أصل إلى الله؟" فأجيبه مشفقاً وموجهاً: إلى أين تصل يا ولدي؟ إنه أقرب إليك من حبل الوريد! المعضلة ليست في بُعد المسافة لتقطعها، بل في الحجاب الذي أسدلته على بصيرتك فأعماك.
لقد كشفت لك سورة "ق" هذا السر العظيم، فلو أنعمت النظر وفككت شفرة حرف القاف، لعلمت يقيناً أن حجابك الأوحد عمن تطلب وعمن تريد هو "نفسك" وفقط.
اقرأوا وتأملوا قول الحق عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ هذا هو الحجاب الحقيقي.
وكما أن أطباء الأبدان سموا العضلة الفاصلة في الجوف بـ "الحجاب الحاجز"، فإن أطباء القلوب، كالإمام حجة الإسلام الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، محيي علوم الدين)، قد شخصوا داءنا الأكبر؛ ألا وهو أن "نفسك" الأمارة بالسوء، بما تحمل من عُجب وكبر ورياء وغفلة، هي الحجاب الحاجز عن تجلي أنوار الله على قلبك.
ولن يترقى السالك من مقام النفس الأمارة إلى اللوامة ثم المطمئنة إلا بصدق المجاهدة ودوام الذكر وملازمة الصحبة الصالحة.
المحمية الكونية: مشروعية مجالس الذكر الجماعي
ولما كان العبد ضعيفاً في مجاهدة نفسه، تداركه المولى بنفحاته، فها هو سيدنا وحبيبنا النبي يزف إلينا التهنئة والبشارة بقدوم شهر التجليات، قائلاً: «أيها الناس قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه الشياطين» ⁽³⁾.
إن هذا الشهر الفضيل يا ولدي ليس مجرد زمن عابر، بل هو "محمية كونية" أقيمت ببركة تجلي اسم الله "الجواد" علينا.
وما شكرنا لهذه النعمة العظمى إلا بالاجتماع على ذكره سبحانه وتعالى، مصداقاً للبشارة المحمدية: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة» ⁽⁴⁾.
وهنا نرد رداً استباقياً جازماً على أولئك المتنطعين الذين جفت أرواحهم، فرموا مجالس الذكر الجماعي بالبدعة؛ فهذا الحديث الشريف هو العمدة في مشروعية الاجتماع على ذكر الله.
أتدري يا ولدي لماذا تقف الملائكة لتحفنا؟ إنهم يفعلون ذلك ليدفعوا عنا كيد الشياطين.
أما اليوم، وفي هذه النفحة الرمضانية، فالشياطين مصفدة مقيدة، ومجالسنا غدت في جنةٍ فُتّحت أبوابها، وأُغلقت دوننا أبواب النيران.
نحن نعيش في جنة حقيقية نناجي فيها المولى ونقول: "الله"، بينما ينادي منادٍ من قِبل الحق جل جلاله: «يا باغي الخير أقبل» ⁽⁵⁾.
مناجاة القبول وعتق الرقاب في مقامات الافتقار
إن جلوسنا هذا لذكر الله يقع في ساعات اصطفاء، ينظر الله فيها إلى قلوب عباده بعين الرحمة والرضوان، متوجاً إياهم بتاج المغفرة، فقد صح في الأثر: «ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة» ⁽⁶⁾.
هذا العتق لا يُنال بالدعاوى، بل بالافتقار والانكسار على عتبات العبودية.
فيا رب، نسألك ببركة هذا المسار الأنور، اللهم لا تخرجنا من هنا إلا وقد جبرت الكسر، وغفرت الذنب، وسترت العيب.اللهم أكرمنا بكرامة الدنيا والآخرة، وسطر أسماءنا في ديوان المقبولين لديك، وبلغنا بكرامة عطفك وحنانك ليلة القدر.اللهم جُد على بلادنا بنعمة الحفظ، ودوام الأمن والأمان والاستقرار، وادفع عنا برحمتك كل خطر، واصرف عنا كل شر، وأبطل عنا كل سحر، وادفع عنا كيد كل عدو لا يؤمن بيوم الحساب.

وقت القراءة 5 دقائق