بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الافتقار إلى الله: والله ما لذة العيش إلا صحبة الفقراء
أسرار الافتقار إلى الله: والله ما لذة العيش إلا صحبة الفقراء
لذة العيش في صحاب القلوب
يقول العارفون بالله في ترانيم محبتهم: "والله ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا.. هم السلاطين والسادة والأمراء.. اصحبهم وتأدب في مجالسهم وخلي حظك مهما قدموك ورا.. وإذا سُئلت فقل لا علم عندي، وكن بالجهل مستترا.. ولازم الوقت واعلم يا مريد بأن الرضا يختص بالحضرة" ⁽¹⁾. إنها دعوة للروح كي تتأدب في مجالس أهل الله، أولئك الذين أدركوا أن الغنى الحقيقي يكمن في كمال الافتقار إلى الخالق جل جلاله.
الفقر بين يدي الغني: قصة الإمام أحمد
يُروى أن إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل ⁽²⁾، مر يوما وهو يطوف بالبيت الحرام، فسمع رجلا يناجي ربه بانكسار وتذلل، قائلا: "اللهم إنني فقير كما ترى، اللهم إنني مسكين كما ترى، اللهم إنني ذليل كما ترى، اللهم إنني ضعيف كما ترى، يا من يرى ولا يُرى". وكان الرجل يردد هذه الكلمات ودموعه تنهمر في مناجاته.
فحدث الإمام أحمد نفسه قائلا: لقد منّ الله علي بفضله، وجمع لي بين الطواف بالبيت الحرام والصدقة في هذا المقام المبارك. فأخرج الإمام من نفقته شيئا يسيرا، وطواه في يده بحرص، ثم اقترب من الرجل وقال له متلطفا: يا أخي، خذ هذه الصدقة خالصة لوجه الله.
فالتفت إليه الرجل متعجبا، ورد برباطة جأش العارفين: لا، والله! إنني لأغنى من في هذا المقام، وما جئت إلى بيت ربي لأتسول من خلقه!
فسأله الإمام أحمد مستغربا: وكيف ذلك وأنت تطوف مناديا ومرددا: أنا فقير كما ترى؟
فأجابه الرجل بيقين من أدرك الحقيقة: يا إمام، وهل آتي إلى بابه سبحانه لأدعي الغنى وأقول: أنا غني كما ترى؟ إنك في ميزان الله ومحراب عبوديته لست سوى عبد فقير إليه.
تحقق بأوصافك يُمدك بأوصافه
يا ولدي، إن مفتاح الوصول يكمن في إدراك العبد لضعفه، كما يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري ⁽³⁾: "تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه". فماذا تصنع يا مريد في طريقك إلى الله؟ ما دمت تقف على بابه معترفا بجهلك وافتقارك، فإنه يفيض عليك من بحور علمه.
ألم تسمع نداء الحق جل جلاله لنبيه المصطفى ﷺ حين قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ⁽⁴⁾؟ ومعنى ذلك أنك كلما تلقيت من أنوار الوحي والمعرفة، قف دائما موقف المفتقر الذي لا علم له، واصطنع الجهل بين يدي العليم؛ ليفيض عليك من خزائنه المزيد، فظل مناديا: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
بسط الكف للخالق وقبضها عن الخلائق
فإذا أردت يا ولدي أن تنهل عليك المواهب، وتُفتح لك أبواب الفتوحات والفيوضات، وتتوالى عليك العطاءات والأنوار؛ فعليك أن تتحقق بوصف العجز والفاقة والافتقار إلى مولاك. ألم تسمعه جل وعلا وهو يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ⁽⁵⁾؟ فهل ترجو عطاءه في هذه الليالي المباركات؟ إذن، تعلم كيف تمد يد الافتقار وتشكو المسكنة، ولكن إياك أن تمدها للناس!
إن المؤمن الحق هو من يقبض كفه عن الخلق، ويعرف كيف يبسطها للخالق جل وعلا. ولذلك عُرف طريقنا إلى الله بأنه: "الزهد مما في أيدي الخلائق، والأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق". أن تكون يا ولدي بصيرا بحقائق الأمور، يائسا مما في أيدي الناس، فلا ترجو من أحد شيئا، ولا تطلب من مخلوق حاجة؛ فليس لنا حاجة عند أحد من الخلق.
أعلى مراتب العبودية: ألا تطلب غيره
ولذا، قد بيّنت هذا المعنى، الذي يمثل ذروة الإيمان والإسلام في أعلى تجلياته، في مصنفنا المسمى "كنوز الإشارات" ⁽⁶⁾ -والذي تُرجم بفضل الله إلى اللغة الإنجليزية- حيث قررنا أن أعلى مراتب العبودية تتلخص في أصل عظيم: "ألا تطلب غيره، ولا تطلب من غيره".
إن من أعظم وأعمق مقامات العبودية لله، أن نترفع عن سؤال الأغيار، وألا نبتغي في قلوبنا أحدا سواه. نحن لا نطلب حاجة من بشر، فالناس جميعا أحبتنا، ولكن لا حاجة لنا عند أحد منهم. وإذا رفعنا أكف الضراعة إلى الله، فإننا لا نطلب إلا وجهه الكريم.. نعم، لا نطلب إلا وجهه.
ما حيلتي والعجز غاية قوتي
ولهذا يعود شيخنا احمد بن عطاء ليؤكد المعنى متسائلا ومجيبا: إذا أردت أن تنهل المواهب عليك، فأظهر الفقر والفاقة والافتقار إليه، ألم تسمعه وهو يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾؟ فما حيلتي وأنا أقصى قوة أمتلكها وأتصف بها هي عجزي التام؟ ما حيلتي وماذا أصنع؟
"ما حيلتي والعجز غاية قوتي.. وأمري جميعاً تحت حكم المشيئةِ
خلصني من أسر الطبيعة واهدني.. بنورك يا الله واصل قطيعتي
إن كان جسمي عن جنابك قاطعي.. فروحي يا نور من جمالك مدتي" ⁽⁷⁾.
وهم الأنا وإشراقات الروح
فإن كان هذا القفص الجسدي، وما يحويه من كثافة المعاني الأرضية، مانعا لي عن مشاهدة معانيك السامية وعيش حلاوة القرب منك؛ فإن روحي قبس من نور جمالك، وممدودة بمددك، مصداقا للسر المكنون في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ ⁽⁸⁾.
يا ولدي، أنت على التحقيق وهم، ويزداد هذا الوهم رسوخا كلما ظننت أنك عرفت الحقيقة. أنت في حقيقتك خيال ومحض سراب، ولذا يقول قائلهم متأوها من سطوة النفس وحجابها: "آهن يا أنا"، فهذه الـ "أنا" هي أصل كل بلاء، ومصدر كل المعضلات.
آهٍ يا أنا، من أكون أنا؟
"أنا خيالٌ ساخرٌ، سرابٌ سائرٌ، وهمٌ يجل عن الحقيقة وصفه، وسراب ظمآن يراه الحائر. وما نحن إلا كالكتابة في الهوى، سطور خيال والحروف ضمائر" ⁽⁹⁾.
فيا ليت شعري، متى ندرك السر؟ فإنه كما قيل في درر الحكمة: "من عرف نفسه عرف ربه" ⁽¹⁰⁾.
