بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف أكون مع الله؟ أسرار الحجاب الحاجز والمحمية الكونية
كيف أكون مع الله؟ أسرار الحجاب الحاجز والمحمية الكونية
مدارج المعية: الوصايا الثلاث للقرب الإلهي
كثيراً ما يعتلج في الصدور هذا التساؤل المُلِح: كيف أكون مع الله؟ خذ مني يا ولدي ثلاث وصايا نيرات، فاعقد عليها خنصرك واحفظها بقلبك قبل عقلك: أولاها أن تذكره سبحانه ذكراً لا يشوبه نسيان، وثانيتها أن تطيعه طاعةً لا تعرف العصيان، وثالثتها أن تفيض بالرحمة على خلقه فلا يقسو قلبك أبداً.
ولكن، دَعنا نقف هنا وقفةَ تأملٍ ونسأل: هل يفتقر الحق سبحانه وتعالى إلى كل هذا الجهد والعمل لكي يكون في معيتك؟ حاشا لله، فالأمر أدق وأجل من ذلك؛ استمع بقلبك إلى قوله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ⁽¹⁾.
إن "حبل الوريد" يا ولدي هو سر الحياة المادية النابضة في جسدك، فإذا كان هذا الحبل الذي يمدك بالدماء قريباً منك إلى هذا الحد، فإن الله جل جلاله، واهب الحياة ومفيض الوجود، هو الذي يحييك حقاً.
إن الله هو المتجلي بنور قيوميته على كيانك، فهو أقرب إليك من أنفاسك ومن حبل وريدك.
سر حبل الوريد وحقيقة "الحجاب الحاجز"
وهنا قد يثور في وجدانك عجبٌ وتقول: ما دام ربي بهذه القربى، فما الذي يحجبني عن شهوده؟ لماذا لا أبصر أنوار قربه؟ الجواب يا ولدي هو أن الله هو القريب حقاً، ولكنك أنت المحجوب.
استمع إلى هذا النداء الروحي الشفيف الذي يصدح به العارفون: "دع التلفت ترى، دع ما سوانا ترانا، لا تنشغل بالورى، واشهد مليكك لما وفّاك حين اشترى" ⁽²⁾.
يأتيني المريد صادقاً في طلبه متسائلاً: "يا سيدنا الشيخ، كيف أصل إلى الله؟" فأجيبه مشفقاً: إلى أين تصل يا ولدي؟ إنه أقرب إليك من حبل الوريد! المعضلة ليست في بُعد المسافة لتقطعها، بل في الحجاب الذي أسدلته على بصيرتك فأعماك عن رؤية النور.
لقد كشفت لك سورة "ق" هذا السر العظيم، فلو أنعمت النظر وفككت شفرة حرف القاف وأسرار السورة، لعلمت يقيناً أن حجابك الأوحد عمن تطلب وعمن تريد هو "نفسك" وفقط.
اقرأوا وتأملوا قول الحق عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ هذا هو الحجاب الحقيقي، حتى إن أطباء الأبدان سموا العضلة الفاصلة في الجوف بـ "الحجاب الحاجز".
أتدرون ما هو الحجاب الحاجز في عالم الأرواح؟ إنه نفسك التي بين جنبيك.
لقد قضينا الأعمار نقرأ هذا المعنى ونكتبه ونحلله، والنتيجة الثابتة هي أن نفسك هي الحجاب الحاجز الذي يمنع تجلي نور الله على قلبك بالحياة الحقيقية.
المحمية الكونية: تجليات شهر الوصال
ولما كان العبد ضعيفاً في مجاهدة نفسه، تداركه المولى بنفحاته، فها هو سيدنا وحبيبنا النبي ﷺ يزف إلينا التهنئة والبشارة بقدوم شهر التجليات، قائلاً: «أيها الناس قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه الشياطين» ⁽³⁾.
إن هذا الشهر الفضيل يا ولدي ليس مجرد زمن عابر، بل هو "محمية كونية" أقيمت ببركة تجلي اسم الله "الجواد" علينا.
وما شكرنا لهذه النعمة العظمى إلا بالاجتماع على ذكره سبحانه وتعالى، مصداقاً للبشارة المحمدية: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة» ⁽⁴⁾.
أتدري يا ولدي لماذا تقف الملائكة لتحفنا ؟ إنهم يفعلون ذلك لكي يدفعوا عنا كيد الشياطين ويبعدوهم عن مجالسنا.
أما اليوم، وفي هذه النفحة الرمضانية، فقد اختلفت الموازين؛ فالشياطين مصفدة مقيدة بقوة الله، ومجالسنا غدت في جنةٍ فُتّحت أبوابها على مصراعيها، وأُغلقت دوننا أبواب النيران.
نحن نعيش في جنة حقيقية نناجي فيها المولى ونقول: "الله"، بينما ينادي منادٍ من قِبل الحق جل جلاله في الملكوت: «يا باغي الخير أقبل» ⁽⁵⁾.
ساعات التجلي ومناجاة القبول
إن جلوسنا هذا لذكر الله يقع في ساعات اصطفاء، ينظر الله فيها إلى قلوب عباده بعين الرحمة والرضوان، وقد صح في الأثر: «ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة» ⁽⁶⁾.
فيا رب، نسألك في هذا المقام الأقدس، اللهم لا تخرجنا من هنا إلا وقد جبرت الكسر، وغفرت الذنب، وسترت العيب.اللهم أكرمنا بكرامة الدنيا والآخرة، وسطر أسماءنا في ديوان المقبولين لديك، وبلغنا بكرامة عطفك وحنانك ليلة القدر.اللهم جُد على بلادنا بنعمة الحفظ، ودوام الأمن والأمان والاستقرار، وادفع عنا برحمتك كل خطر، واصرف عنا كل شر، وأبطل عنا كل سحر، وادفع عنا كيد كل عدو لا يؤمن بيوم الحساب.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار العقيدة في القرب الإلهي والإيمان بالغيب من توجيهات الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الطاعات ومشروعية مجالس الذكر في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات القرب وأسرار الحجاب: كيف تكون مع الله في ضوء التزكية المحمدية)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق وتحقيق المحاضرة النورانية للدكتور جابر بغدادي: «أسرار المعية الإلهية»)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أصل إلى الله وأنا أشعر بالبعد والحجاب؟)الأسئلة
