بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك: أسرار الاستقامة وترك التقييم
كفاك جنوناً وفتوناً وتسبيحاً بحمد نفسك: أسرار الاستقامة وترك التقييم
آفات الاستقامة الخفية: خطر التقييم
ما هي آفات الاستقامة يا ولدي؟ إنها لا تقتصر على الغرور والعُجْب فحسب، بل تمتد لما هو أعمق من ذلك بكثير؛ إنها آفة التقييم، أن تُنَصِّبَ نفسك مقيِّماً لحالك.
ولذلك قلتُ لك إن الاستقامة تقوم على ثلاثة أركان، وثلاثة محاور جلية لا غنى للسالك عنها: أن تستقيم على طاعة الله، وأن تُقوِّم نفسك من رعونة معصية الله، وألَّا تُقَيِّمَ نفسك، لا في طاعةٍ ولا في معصية. فقد قال الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واعداً أهل الثبات: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾⁽¹⁾.
ثلاثية الاستقامة: قيام، وتقويم، بلا تقييم
فكيف تستقيم يا ولدي على الطريقة؟ والطريقة هنا هي الإسلام، هي الشرع الحنيف والدين القويم. كيف أستقيم عليه؟ وكيف أسير على درب الاستقامة؟
يكون ذلك بأن أُقوِّمَ نفسي من رعونة البشرية، وأن أُقيمَها على قدم العبودية لله، وألَّا أُقيِّمَ نفسي قط. فالسر كله يكمن في قاعدة جامعة مانعة: قيام، وتقويم، بلا تقييم.
فلا تقل على نفسك "شيخٌ" ومُقَرَّب، ولا تقل على نفسك أنك سيئ هالك. هل فهمت مقصدي يا ولدي؟ فإن قلتَ: إنني أرى نفسي سيئاً ومُقصراً؟ أقول لك: هذا إحساسٌ جميل، فاجعله حادياً يسوقك إلى الطاعة ويحفزك لمرضاة الله، لكن إذا قادك هذا الشعور إلى اليأس والإحباط، فاعلم يقيناً أن هذا من نزغ الشيطان. فلِمَ تُضَيِّقُ ما اتسع، ولا تُوَسِّع دائرة الرحمة الإلهية؟
مقامات الجلال والجمال في ميزان العبادة
يُروى في الأثر عن سلفنا الصالح أنه قام رجلٌ يُصلّي، وظل طوال الليل يُقيم الليل ويناجي ربه قائلاً: "اللهم اغفر لي"، ثم نام. فهُتِفَ به في منامه فقيل له: إن الله قد غفر لمن قام ومن نام. فتعجب وقال: يا رب، من قام فقد عرفنا سبب المغفرة له، فبِماذا غفرت لمن نام؟ فجاءه الرد الإلهي العظيم: "لما ناموا ذكروا جمالي، والذين قاموا ذكروا جلالي، وقد حان وصالي لأهل جمالي وجلالي"⁽²⁾.
فالذي نام والذي قام، ما شأنك أنت بهما؟ هذا نام طمعاً في جمال الله، طمعاً في رحمته وعفوه الواسع، نام وهو يعقد النية على مطالعة الجمال، وذاك قام يظن أن العبادة وحدها هي التي ستُدخله الجنة. فهذا غفرنا له، وهذا غفرنا له، ليعلم من قام أن الله هو ربٌّ لمن قام، وربٌّ لمن نام.
إياك أن تُقيِّم يا ولدي، ولا تُضيِّع نفسك بميزان التقييم الموهوم. فالاستقامة لا تَحِقُّ ولا تكتمل إلا لمن اتصف بشروطها الثلاثة: قيامٌ بوظائف العبودية، وتقويمٌ لرعونات البشرية، والثالثة ما هي؟ ألَّا يكون هناك تقييم.
حقيقة المقامات: بين الشكر والرضا والحب
ثم يأتيني من يتساءل بفضولٍ واستعجال: يا شيخ، في أي مقامٍ أنا الآن؟ ويحك يا ولدي! وهل نحن نعبد الله عز وجل من أجل أن نَنال المقامات؟! إن كنتم نسيتم ما جرى، فهلمّوا نقلب صحائف الأيام لتقرأوها! تعبد الله ثلاثة أيام، ثم تطلب مقاماً!!! وما المقام الذي ترتجيه؟
إنه مقام الشكر، مقام الرضا، ومقام الحب. أن سمح لك الحق جل جلاله وأعطاك مسبحةً تسبحه بها، وبسط لك سجادةً تُصلي عليها، ووهبك جلسةً تقعد فيها بين يديه؛ فواللهِ هذا هو أعظم مقام. وأي مقامٍ أسمى وأجل من أنك اقترفت الذنب، فألهمك هو التوبة والرجوع إليه؟ هذا هو المقام الحقيقي!!! أتريد أن تصطنع لنفسك مقاماً موهوماً!!!!
التخلية قبل التحلية: طهارة المسبحة من رعونة النفس
واعلم يا ولدي، وعلى خطى العارفين كالإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين وتاج الصوفية)، أنه ما لم تُخْلِ مسبحتك من حبات المَنِّ والاغترار، وما لم تُطهِّرها بحبات الاعتذار والافتقار إلى الله، فأنت لست مسبحاً بحمد الله، بل أنت مُسبِّحٌ بحمد نفسك⁽³⁾.
فهذه المسبحة التي تسبح بها، إن لم تقلل من طلباتك وحظوظك الدنيوية، وتجعلك تهدأ في سيرك إلى ربك، وتكسر فيك الكبر فلا تتعالى ولا ترى نفسك على عباد الله، فإنك حينها تُسبِّح بحمد ماذا؟ إنك تسبح بحمد زهو فعلك ورعونة نفسك، فاستقم كما أُمِرت ودع عنك هذا الجنون والفتون.
