بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الانشراح: تأملات روحانية في شق صدر الحبيب المصطفى
أسرار الانشراح: تأملات روحانية في شق صدر الحبيب المصطفى
تجليات الانشراح: بين الصدر والقلب
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾⁽¹⁾؛ أي شرح صدره الشريف، ووسّعه ليتلقى علوم الحق جل جلاله، وفسّحه ليفيض بالرحمة على الخلق أجمعين.
ولعلك تتأمل يا ولدي وتسأل: لماذا لم يقل الحق سبحانه: "ألم نشرح لك قلبك"؟ السر هنا يكمن في أن الصدر هو مستقر الهموم، ومحل الوساوس، وميدان توارد أفعال الخلق وأحوالهم، أما القلب فهو الحرم المقدس لواردات الرب الجليل.
وكأن في هذه الآية القرآنية إشارة جلية إلى عصمة ذلك القلب النبوي، فهو قلب مُنزّه تماماً ومنفيّ عنه أن يتطرق إليه شيء من ذلك الكدر.
وصدره الشريف معصوم أيضاً، غير أن الله شرحه؛ أي وسعه وفسحه، حتى لا يضيق بأعباء العبادة وأفعالها.
الجراحة الإلهية: قلب مفتوح يتجاوز حدود البشر
وقد تجلى هذا الشرح في حادثة شق صدر النبي المختار عليه الصلاة والسلام، حيث يروي بنفسه تلك المشاهد العظيمة قائلاً في الحديث الشريف⁽²⁾: «إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ...وَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي».
أتتخيل يا ولدي هذا المشهد؟ أليست هذه جراحة قلب مفتوح بالمفهوم الإلهي؟ غير أن العجيب حقاً هو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من يقص علينا تفاصيل عمليته الجراحية بنفسه، وهو في كامل وعيه! إن أي إنسان منا اليوم، لكي يخضع لجراحة قلب مفتوح، يُستعان له بأجهزة طبية ضخمة تملأ غرفة بأكملها، وتظل أصعب وأدق لحظة يترقبها الطبيب هي لحظة الإفاقة؛ إذ تلهج القلوب بالدعاء: يا رب، أيُفيق المريض أم لا؟ لا أحد يعلم الغيب غير الله.
أما سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، فبعد شق صدره بلحظة واحدة، تُطوى له الأكوان بكاملها! يطوف أرجاء كوكب الأرض في طرفة عين، بل ويخترق أفلاك السماوات العلى في زمن أقصر من اللحظة ذاتها، ثم يدنو من ربه دنواً لم يبلغه حتى أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام، فيرى ربه، ويكلم خالقه، وتُفرض عليه الصلوات، ويتلقى الوحي من لدن حكيم خبير، كل هذا وقواه البشرية ثابتة لم تتهتك، ليعود إلى مضجعه وفراشه لا يزال دافئاً! أرأيت يا ولدي كيف تتجلى قوة النبي الأعظم وما أودع الله فيه من طاقة تحمل المعجزات؟
استئصال البوابة: حماية لعين الرحمة لا خوفاً من الغواية
نعود إلى الجراحة الربانية؛ فقد شُق صدر النبي عليه الصلاة والسلام، ونزل أمين السماء جبريل ومعه سيدنا ميكائيل عليهما السلام، يحملان طستاً من ذهب مُلئ بماء زمزم الطاهر، وقيل: مُلئ إيماناً وحكمة، فغسلا قلبه الشريف، وأخرجا منه علقة، هي حظ الشيطان من الإنسان⁽³⁾.
وهذه العلقة هي جزء جُبل عليه كل إنسان في أصل الخلقة والفطرة، فهي بمثابة المنفذ أو البوابة التي يتسلل منها الشيطان إلى القلب.
لكن، إياك يا ولدي أن تظن أو تفهم من هذا أن قلب النبي كان يحوي شيطاناً فأخرجوه! معاذ الله.
إنما هي الفطرة الكونية والجبلة الإنسانية التي خلق الله الناس عليها؛ فكل إنسان يُولد ولديه هذه البوابة التي قد يدخل منها الشيطان، غير أن العناية الإلهية اقتلعت هذه البوابة من قلب النبي عليه الصلاة والسلام استئصالاً تاماً، فلم يعد للشيطان أي طريق أو سبيل للدخول إليه.
وهنا تبرز لطيفة روحانية عجيبة؛ فقد قيل في بعض الإشارات الصوفية وأهل المعاني إن استئصال هذه المضغة لم يكن خوفاً من وسوسة الشيطان، بل خوفاً من أن يشفع له النبي! نعم يا ولدي، استأصلوا تلك المضغة حتى لا يقترب الشيطان من ذلك الموضع فيشمله النبي برحمته؛ لأنه ما من شيء دخل قلب النبي إلا ونالته الرحمة.
ألم يقل الحق تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾⁽⁴⁾؟ لقد قال العارفون: إن القلب السليم هنا هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم.
وبما أن الله سبحانه قد قضى ووعد بأن إبليس مخلد في النار، فإن الملائكة لم تستأصل تلك العلقة خوفاً من أن يوسوس، بل استأصلت خوفاً من أن يرحم!
ميزان النبوة: قلب يرجح بأمة بأسرها
ثم يعرض لنا مشهد الوزن المهيب⁽⁵⁾؛ حيث يأمر ميكائيل جبريل قائلاً: "زنه برجل"، فيوزن به فيرجح النبي.
قد تسأل يا ولدي: ما الذي يُوزن؟ هل يُوزن جسده؟ لا، بل الذي يُوزن هو قلبه الشريف! وحين يوزن برجل، فهو لا يُوزن بأي رجل، بل يُوزن برجل من كبار الأنبياء؛ من رجال كإبراهيم الخليل، وإسماعيل الذبيح، وموسى الكليم، وهارون عليهم السلام.
زنه باثنين فيرجح، زنه بمائة فيرجح قلبه الشريف عليهم جميعاً.
عندها يقول سيدنا ميكائيل لجبريل: "دعه، فوالله لو وزنته بالأمة لرجح بها".
وهذا المعنى البديع يعيدنا فوراً يا ولدي إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾⁽⁶⁾.
نعم، هو بشر مثلنا في الصورة، لكنه ليس كمثلنا في الحقيقة والمقام؛ فهو يزننا جميعاً بل ويفوقنا.
وإن سيدنا جبريل عليه السلام قد نال شرفاً عظيماً وكرامة جليلة حين حمل هذا القلب الشريف على كفه؛ هذا القلب النبوي الذي اتسع للعالمين رحمة، وامتلأ بالنور ليرى نور الله جل جلاله، وفاض بالرحمة ليسع خلق الله أجمعين.
فاللهم صلّ وسلم وبارك عليه.
أثر المخيط: يقين المشاهدة والكمالات الإلهية
وبعد أن أُعيد القلب الشريف إلى موضعه، كان يظهر عليه أثر ذلك الغسل والتطهير؛ فقد شحب لونه واصفرّ وانتقع، حتى جاءت السيدة حليمة السعدية رضي الله عنها فزعة حين أتاها الأطفال يصرخون: "لقد قُتل محمد!"⁽⁷⁾.
وهذا دليل قاطع على أن هذا الأمر لم يكن مجازاً أو خيالاً، بل إن الحديث الشريف يؤكد أن حادثة شق الصدر قد رُئيت عياناً، وشاهدها أقرانه وأصحابه.
حتى إن الصحابي الجليل خادم رسول الله، سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، كان إذا حدّث بهذا الحديث قال بلسان اليقين: "وَأَنَا رَأَيْتُ أَثَرَ ذَلِكَ"⁽⁸⁾.
لقد كان الله جل في علاه قادراً على أن يهب حبيبه المصطفى كل هذا الفضل والنور والاتساع من غير حاجة إلى شق صدره جراحياً، لكن الحكمة الإلهية أرادت أن يزداد اليقين في القلوب، ولتأهيله للكمال الأكمل.
لقد شُق صدره ليُؤهَّل لتلقي الكمالات الإلهية العظمى، لا ليتلقى مجرد الكمالات البشرية؛ فهو صلى الله عليه وسلم، من حيث كماله البشري، قد بلغ شأواً لا يضاهيه فيه في الكمال قمر منير، ولا شمس مشرقة، ولا بدر في ليلة تمامه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تجليات العقيدة في معجزة شق الصدر: عصمة القلب وكمال اليقين)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الانشراح وأسرار العبادات: قراءة فقهية في معجزة شق الصدر)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (طهارة القلوب وانشراح الصدور: أسرار السلوك في معجزة شق الصدر)التزكية والتصوف
