Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الصبر والاستعانة بالعبادات في تأملات سورة النجم: أحكام قيام الليل والقصاص والرضا بالقضاء

في هذا المقال الفقهي التأصيلي الفريد، يستنبط فضيلة الدكتور الشيخ جابر بغدادي أسرار فقه القلوب وأحكام العبادات من سورتي النجم والإسراء، مبيناً فقه قيام الليل وتسبيح الأسحار كأدوات شرعية للاستعانة على البلاء، وتفصيل أحكام القصاص والمماثلة مقابل ندب العفو والصبر، مع الرد الحاسم على المفاهيم المغلوطة حول الجبر ومكابدة الأسباب في الفقه الإسلامي.

التساؤل الفقهي الأولي: فقه الابتلاء ومشروعية طلب الفرج
أتوهمتم يا ولدي، في ميزان الفقه وسنن الشريعة الغراء، أن بعد الضيق مفيش فرج؟ وأظننتُم أن أحكام الابتلاء تقضي بأن هتفضل ضيقة كده على طول؟ إن هذا التساؤل الفقهي البليغ يطرق باباً عظيماً من أبواب "فقه القلوب والمعاملات مع الله"؛ ففي الناس من اتجرحت جامد، واتظلمت جامد، واتأذت جامد، وظنوا بظاهر الحال أن الشريعة تترك المظلوم لشدةٍ لا تنتهي دون مخرجٍ شرعيٍّ أو إمدادٍ غيبي.
بيد أن الفقيه البصيرة، المطلع على أسرار التشريع، يدرك أن الشريعة الإسلامية قامت على اليسر ورفع الحرج، وأن الضيق الفقهي والقدري ملزومٌ بالفرج والاتساع، كما قرر الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) (ناصر الحديث وإمام المذهب) في قواعده استناداً لأصول الاستقراء الشرعي.
إن الاعتقاد بدوام الضيق يخالف نصوص التشريع القاطعة بأن مع العسر يسراً؛ فكل شدةٍ تنزل بالعباد صاغ الوهاب لها أحكاماً تخفف وطأتها، وتفتح للمريدين أبواب الاستعانة بمشروع العبادات لنيل الفرج.
فقه الصبر والاحتساب: التكييف الشرعي لتحمل الأذى
طب إحنا بنساعدك أهو من مشكاة الفقه وأسراره؛ مش قادر تصبر على ما نزل بك من مشاق؟ هقول لك على حاجة حلوة في فقه العبودية تخلي صدرك يتفسح للخلق احتمالاً وللحق صبراً وتسليماً.
تأمل بقلم الفقه وأصوله قول الحق جل جلاله في محكم تنزيله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾⁽¹⁾؛ ففي هذا الخطاب الرباني تأصيلٌ فقهيٌّ لمقام الاحتساب؛ إذ يستشعر المكلف أن الحق سبحانه ناظرٌ إلى ألمه، وعالمٌ بوجيعته ومحنته، وأن مشقة الصبر على المكاره ليست عند الله هدرًا ولا قليلة في ميزان الثواب الشرعي.
إنك متحملٌ للأذى تنفيذًا لأمره وابتغاء مرضاته؛ وتقدر من حيث الفقه وأحكام استيفاء الحقوق أن تنفذ غضبك وتأخذ ثأرك ممن ظلمك بالمشروع من الأسباب، لكنك تواضعت لله صبراً، وآثرت مقام عزيمة الصبر على رخصة الانتصار والعقاب.
فقه قيام الليل وتسبيح الأسحار: التدرج الشرعي في الاستعانة بالعبادات
مش قادر تصبر؟ استعن بالآتي مما قننه الشارع الحكيم في التدرج التعبدي: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا * وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾⁽²⁾؛ يعني في عرف الفقهاء وأحكام العبادات: لما تقوم قيام الليل اسجد وسبح بحمد ربنا.
جيت تصبر ما قدرتش؟ استعن بقيام الليل كأداةٍ شرعيةٍ للاستمداد؛ ما قدرتش على القيام لمشقةٍ أو عذر؟ انتقل إلى الرخص وميسر العبادات وسبح؛ في قيام الليل ما عرفتش؟ امتثل أمره في توقيت الأذكار: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾⁽³⁾.
وهنا لزامٌ علينا، يا ولدي، أن نقف وقفةً فقهيةً احترازيةً دقيقة حتى لا يزل الفهم؛ فإن توجيه الشارع للاستعانة بالصلاة والتسبيح، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، لا يجوز أن يُفهم منه بحالٍ الإعراض عن الأسباب المشروع اتخاذها لجلب الحقوق ودفع المظالم، ولا يلزم منه الاعتقاد بـ "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تُسقط تكليف العبد وسعيه الفقهي في رفع الظلم عن نفسه! كلا يا ولدي، إن فقه أهل السنة والجماعة يقرر أن السعي في الأسباب المشروع اتخاذها واجبٌ أو مندوب بحسب الحال، وأن الصبر والرضا لا ينافيان المطالبة بالحقوق شرعاً؛ غير أن الشارع أرشدك إلى أن القوة الإيمانية على تحمل المشاق والصبر على ما لا حيلة فيه، إنما تُستمد من التعبد الخالص واللجوء إلى مسبب الأسباب، فلا تعارض في الفقه الموزون بين مكابد الأسباب ظاهراً والتسليم للصانع باطناً.
فقه الخصائص النبوية: درء مفسدة العذاب بالعفو والشفقة
برضه عملت ده كله ما قدرتش؟ تعزى بالآتي من تأصيل سيرة المشرع الأول في افتتاح سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁴⁾.
قال في الفقه السلوكي: نعمل إيه؟ قال: ما أنت مش قادر على النجوم؟ اتعزى بالنجم، افتكر سيدنا النبي قد إيه صبر، قد إيه حلم، قد إيه رحم! لقد كان يوم أحد حين أدمي وجهه الشريف، تتساقط قطرات الدم الشريف فيضع كفه ويلاحقها ويقول في المعنى الثابت في خصائصه الفقهية: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»⁽⁵⁾.
إن هذا الموقف النبوي الشريف ليس مجرد قصةٍ تُروى، بل هو تأصيلٌ لقاعدةٍ فقهيةٍ كبرى وهي "درء المفاسد وجلب المصالح"؛ فالنبي ، بمقتضى علمه الشرعي بما رتبته العناية الإلهية لدمه الطاهر من الحرمة، علم أن وقوعه على الأرض يوجب نزول العذاب الفوري بالمعتدين، فكان حبسه لدمه الشريف بيَدِه تطبيقاً لفقه الشفقة وإسقاطاً لحق الانتصار الشخصي درءاً لمفسدة استئصال الأمة، وهو ما بوبه فقهاء الشمائل كالإمام القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) (شارح صحيح البخاري وركن المذهب الشافعي).
فقه الصلاة على النبي وأحكام القصاص في سورة النحل
فإذا مش قادر بعد كل هذه المحاولات الشرعية، صلِّ بقى كتير على سيدنا النبي؛ عشان الناس تعرف المعارك بتأتي منين، شوف السماوات ببروجها ومغاليقها بتفتح لمين! انظر إلى دقة الترتيب الفقهي في القرآن الكريم؛ فإن سورة الإسراء التي تمثل الفتح والمعراج، قبلها سورة النحل، يختمها ربنا سبحانه وتعالى ببيان أحكام القصاص والمماثلة فيقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾⁽⁶⁾.
إن الفقه هنا يفرق بين "العدل" و"الفضل"؛ فالعدل يبيح للمظلوم العقاب بالمثل دون اعتداء استيفاءً للحقول الفقهية، أما الفضل فيندب إلى الصبر والعفو ويرجحه وجعله خيراً للصابرين.
فعايز تبقى في معارج؟ اصبر؛ عايز ربنا يسري بيك ويسري عنك؟ اصبر هنا؛ اصبر إسراء هنا، اصبر معراج، فهمتوا الإشارة الفقهية؟ فهمنا الرسالة.
مش قادر؟ صلي، مش قادر؟ سبح، مش قادر؟ قيم الليل؛ الوجيعة تقيلة قوي؟ حط النبي قدامك قدوةً في فقه الاحتمال.
فقه المعية الربانية وأحكام الإحسان والتقوى
مالهاش بقى حل؟ مش قادر أنا على الصبر ولا قادر على إبعاد الحزن؟ قال: ولا قادر أعمل كده من الوظائف الفقهية؟ راح معزّينا عزا زي التاني، قال إيه؟ قال في ختام أحكام النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾⁽⁷⁾، ثم يعقبها في التنزيل بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾⁽⁸⁾؛ قال: ويعزيك في كده إن إحنا معاك.
إن الفقه السلوكي هنا ينقل المكلف من حكم
"العزيمة الشاقة" إلى لطيفة "المعية الخاصة"؛ فالتقوى الفقهية هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والإحسان هو إتقان العبادة واستشعار المراقبة؛ ومن تحقق بهذين الركنين الفقهيين نال معية الله التي تجبر كسره وتعينه على ما عجز عنه من شاق الصبر.
يبقى هنا هناك قال إيه آمرًا بالحكم:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وهنا مانيش قادر أصبر قال إيه مواسيًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
فقه التسليم المطلق ومقامات الإحسان في عبودية الرضا
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؛ هناك أنت بأعيننا فإن صبرت واستوفيْت شرائط العبودية كنت النجم الذي هوى؛ وهنا في مقام العجز ﴿فَإِنَّكَ مَعَنَا﴾.
فالعبد وهو صابرٌ مع الله بمقتضى الفقه، والعبد وهو راضٍ مع الله بمقتضى التسليم، والعبد وهو محسنٌ مع الله بمقتضى الإتقان، في تمام طي كمالات عبوديه قننتها الشريعة وقيل فيها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾⁽⁹⁾.
وأما في كمال رضاه الفقهي، فإن المكلف يكتفي بعلم أن الله يعلم ما به، وأن الله مطلعٌ على بلواه، وأن الله رأى الظالم وهو يطعن ويضرب ويظلمه فيتعدى حدود الشرع.
إن علمي بأن الله يراني، وعلمي بأنني مع الله، وعلمي بأن الله يعلم بليتي، غلبني على أن أسأل الرضا واكتفاءً بمشيئة الله، وذلك التكييف الفقهي السامي للرضا والتسليم هو الذي رقى العبد من بين النجوم، ليكون هو النجم الذي هوى خضوعاً لأحكام خالقه، في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾⁽¹⁰⁾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 12 دقيقة