السؤال
ضيق الصدر من ظلم الخلق والشعور باستمرار البلاء: كيف أجد الفرج وأصبر دون ضعف؟
"أنا مسلم أتعرض لظلم شديد وأذى مستمر من بعض الناس حتى تجرحت نفسي وجرحت كرامتي، وبات قلبي يغلي من القهر، وأحياناً يراودني شعور بأن هذا الضيق لن ينتهي أبداً وأنه لا يوجد فرج بعد كل هذه المعاناة، ورغم أنني قادر على الانتقام لنفسي وأخذ ثأري بظاهر الأسباب، إلا أنني أريد الصبر لوجه الله، ولكنني لا أستطيع وأشعر بضعف شديد وضيق في صدري يكاد يخنقني؛ فكيف يفسح الله صدري لاحتمال الخلق؟ وما هو العلاج العملي للتخلص من هذا القهر واستجلاب الصبر والرضا كما أرشدنا الدين الحنيف؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن ما تجده في صدرك من المرارة والألم جراء ظلم العباد هو أمر يقع فيه الكثيرون ممن اتجرحوا جامد، واتظلموا جامد، واتأذوا جامد، حتى ليظن أحدهم بظاهر العقل القاصر أن الضيق مستمر، وأن بعد الضيق مفيش فرج، وهتفضل ضيقة كده على طول! ولكن هذا الشعور ينقشع فور التداوي بالطب الروحاني النبوي الذي يرشدنا إليه فضيلة الشيخ جابر بغدادي؛ فإن العلاج لضيق صدرك ومسألتك ينحصر في ركيزتين عظيمتين: الأولى هي تصحيح الشهود والعقيدة في البلاء، والثانية هي التدرج العملي في الاستعانة بالعبادات.
أما الركيزة الأولى، يا ولدي، فهي أن تستحضر سر قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾؛ فهذه الآية الكريمة هي البلسم الأعظم لجراح قلبك؛ إذ ينبغي لك أن تستشعر أن الحق سبحانه ناظر إلى ألمك، وعالم بوجيعتك ومكابدتك أكثر من علمك أنت بها، وأن تحملك لمشقة هذا الأذى ليس عنده هيناً ولا منسياً ولا ضائعاً.
إن الصبر هنا لا علاقة له بالضعف أو العجز؛ فأنت قادر على أن تنفذ غضبك وتأخذ ثأرك وتنتصر لذاتك، ولكنك طامنت من كبريائك وتواضعت لله صبراً وإجلالاً لمقامه، وقلت بلسان حالك: أنا متحمل عشانك وفي سبيلك يا رب! وهذا الملمح السلوكي الدقيق هو ما قرره سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) حين بين أن الصبر هو تجرع المرارة دون تعبس، وهو عين ما رواه الإمام مسلم في صحيحه (رقم ٢٩٩٩) عن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».
فإذا شهدت هذه العناية الربانية، اتسع صدرك للخلق احتمالاً، وللحق صبراً وتسليماً.
وأما الركيزة الثانية في العلاج، يا ولدي، فهي التدرج العبادي الذي رسمه الخالق سبحانه عند الضعف والمشقة؛ فإن جيت تصبر وما قدرت، فاستعن بقيام الليل ومناجاة الأسحار، امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا * وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾؛ فإن الصلاة في جوف الليل هي قناة الإمداد التي تغسل القهر وتفرغ السكينة في القلب.
فإن شق عليك القيام لضعف أو إرهاق، فانتقل إلى التسبيح المطلق؛ فإن لم تقدر، فالتزم بالتسبيح في وقت السحر وقبيل الفجر عند إدبار النجوم، لقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، وهو ما بوبه الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ، محرر المذهب الشافعي وحجة المحدثين) في أذكاره مبيناً فضيلة تسبيح السحر في كشف الكروب استناداً لما أخرجه أبو داود في سننه (رقم ١٣١٩) أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر صلى.
فإن فعلت هذا كله وما زلت تجد في قلبك ثقل الوجيعة ولم تقو على التحمل، فافزع إلى التداوي بالتأسي بـ "النجم الأعظم" والحبيب الأكرم ﷺ، واقرأ في بصيرتك افتتاح سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾.
ضع النبي ﷺ أمام عينيك، وتذكر كم صبر، وكم حلم، وكم رحم في مواجهة الجناة! لقد كان يوم أحد، حين أدمي وجهه الشريف وسالت قطرات دمه الطاهر، يمسح الدم عن وجهه الشريف ويلاحقه بكفه الطاهرة رحمة وشفقة بهم، ويقول في خصائصه كما أخرجه الإمام الطبراني في المعجم الكبير وأثبته القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ، إمام المالكية ومحدث المغرب) في الشفا: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»، وهو ما يشهد لمتنه الصحيح ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (رقم ٣٤٧٧) عن ابن مسعود رضي الله عنه: «كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
فانظر كيف آثر النبي إسقاط حق الانتصار لنفسه وحبس دمه بيده دفعاً للعذاب عن المعتدين! فإن استصعبت هذا المقام العالي، فأكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ؛ لتستفتح بها بروج السماوات وتتنزل عليك السكينة.
واعلم أن الشارع الحكيم في ختام سورة النحل قد خيرك بين القصاص بالمثل وهو العدل، وبين العفو والصبر وهو الفضل وأعلى الدرجات في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ * وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
فإن أردت الترقي في معارج القرب، فاصبر؛ لأن الصبر هنا هو الإسراء الحقيقي والمعراج الروحاني لقلبك.
فإذا اعترفت بالعجز التام وقلت: مانيش قادر أصبر ولا قادر أعمل هذه الطاعات! تنزلت عليك الرحمة الإلهية لتجبر كسر قلبك بالعزاء الأكبر في ختام سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا * وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾، ثم يعقبها في التنزيل بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ فمن اتقى الله في ظاهره وأحسن في مراقبته، نال معية الله الخاصة التي تذيب كل حزن وقهر، وترقي العبد ليكون متحققا بصفاء العبودية والرضا في قوله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الصبر ليس ضعفاً: تأملات روحانية وأسرار بلاغية في معارج الإحسان من سورتي النجم والإسراء)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرضا والتسليم في تأملات سورة النجم: أسرار المعية الإلهية وتوحيد الأفعال عند الشدائد)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الصبر والاستعانة بالعبادات في تأملات سورة النجم: أحكام قيام الليل والقصاص والرضا بالقضاء)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (معارج التزكية وسلوك الصابرين: أسرار الإحسان والرضا في تأملات سورة النجم والإسراء)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (الصبر مش ضعف (تأملات من سورة النجم): تفريغ نصي دقيق وتوثيق علمي رصين لاستنباطات الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (العجز عن الصبر وضعف الهمة عن قيام الليل والذكر: كيف أنال الفرج وأصل إلى الرضا بقضاء الله؟)الأسئلة
