عقيدة الرضا والتسليم في تأملات سورة النجم: أسرار المعية الإلهية وتوحيد الأفعال عند الشدائد
التساؤل العقائدي الكبير: حقيقة القبض والبسط في توحيد الأفعال
أتوهمتم يا ولدي، في غمرة الابتلاء واشتداد الكرب، أن سنة الله في خلقه تقف عند حدود الضيق فلا يعقبها فرجٌ مقدور؟ وأظننتُم، بظاهر العقل القاصر، أن مقاليد الأمور تُترك لشدةٍ دائمة تطبق على الأنفاس دون حكمةٍ إلهية بالغة؟ إن هذا التساؤل الذي نطرحه ليس مجرد استفهامٍ عابر، بل هو تنبيهٌ عقائديٌّ عميق يوقظ في القلوب حقيقة "توحيد الأفعال"؛ فكثيرٌ من العباد قد مسّهم الضر، وتجرعوا مرارة الظلم، ووقعت عليهم ألوانٌ من الأذى والجراح التي تئن منها النفوس، بيد أن المؤمن البصير يدرك يقيناً أن الضيق والبسط، والشدة والرخاء، إنما هي أطوارٌ يجريها الخالق سبحانه بمشيئته النافذة وحكمته الأزلية.
إن الاعتقاد بأن الضيق مستمرٌ لا محالة هو سوء ظنٍّ بالرب الجليل، ومنافاةٌ لأصول الإيمان بالقدر خيره وشره؛ فالله جل جلاله هو القابض الباسط، وما من شدةٍ تنزل بساحة العبد إلا وفي طيها لطفٌ خفيٌّ وإيذانٌ بفرجٍ قريب، تقر به أعين الموحدين الصابرين.
عقيدة العناية والإحاطة الربانية: تجليات صفة البصر والإحاطة
ها نحن أولاء نبسط لك، يا ولدي، يد العون العقائدي والمدد الروحاني؛ فإن ضعفت نفسك عن تجشم الصبر، وشق عليك احتمال المكاره، فإني أدلك على أصلٍ من أصول الاعتقاد يفسح صدرك لتتحمل أذى الخلق احتمالاً، وتثبت مع الحق صبراً وتسليماً.
تأمل بقلم البصيرة قول الحق جل جلاله في محكم تنزيله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾⁽¹⁾؛ فهذه الآية الكريمة ليست مجرد مواساةٍ لفظية، بل هي تقريرٌ لعقيدة "الإحاطة والعناية الربانية".
إن استشعارك بأن الله تعالى ناظرٌ إلى ألمك، ومحيطٌ بوجيعتك علماً وبصراً بما يليق بجلال ذاته دون تشبيهٍ أو تعطيل كما هو مقرر عند إمام أهل السنة الإمام أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ) (إمام أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين)، يغرس في قلبك اليقين بأن ما تجده من المشقة ليس عند الله هيناً ولا منسياً.
أنت تتحمل البلاء وتصبر على حكم ربه لا عجزاً ولا قهراً، بل إجلالاً ومحبة؛ فربما كنت قادراً على أن تُنفذ غضبك وتأخذ ثأرك ممن ظلمك بظاهر الأسباب، ولكنك تواضعت لله وطامنت من كبريائك صبراً وعبودية، لعلمك أن الحاكم هو الله، وأن قضاءه نافذ، وأن الصبر له هو عين التوحيد.
توحيد مصدر القوة والإمداد: تصحيح المفهوم ورد العقيدة الجبرية
فإن عزّ عليك الصبر وشق عليك المسير في طريق الابتلاء، فاستمد العون من توحيد المصدر كما أرشدك الخالق سبحانه إذ يقول: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا * وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾⁽²⁾؛ ففي أصول عقيدتنا الصافية، لا حولة ولا قوة للعبد على طاعةٍ أو صبرٍ إلا بالله؛ فإذا قمت للتهجد في جوف الليل، فاسجد لربك وسبح بحمده مستمداً منه مدد الصبر والرضا.
جيت تصبر وما قدرت؟ استعن بقيام الليل؛ فما قدرت؟ سبح في أسحار ليلك؛ فما عرفت؟ امتثل أمره تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾⁽³⁾.
وهنا لزامٌ علينا، يا ولدي، أن نقف موقفاً تحوطياً جليلاً لنصحح مفهوماً زلت فيه أقدام الكثيرين؛ فقولنا إن الصبر لا يكون إلا بالله، وإن الاستعانة بالذكر والقيام هي سبيل التحمل، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، لا يعني بحالٍ من الأحوال الركون إلى "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته واختياره، وتصوره كالريشة في مهب الريح لا فعل له ولا كسب! كلا يا ولدي، إن أهل السنة والجماعة يقرون بأن للعبد كسباً واختياراً وإرادةً يُثاب عليها ويُعاقب، وأن أمره تعالى بالصبر والتسبيح هو خطابٌ للمكلف المختار؛ غير أن العبد الموحد يدرك في الوقت ذاته أن توفيقه لهذا الصبر، وقدرته على تحمل البلاء، إنما هي محض فضلٍ وإمدادٍ من الخالق سبحانه.
فالجبرية ينفون العمل والمسؤولية، والقدرية ينفون فضل الله وإمداده، أما الصراط المستقيم فهو أن تبذل جهدك في الصبر والطاعة كسباً واختياراً، مع الشهود التام بأن الحول والقوة والتوفيق كله من عند الله وحده، فلا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله إلا بالله.
العقيدة في خصائص النبوة ومقام العصمة والرحمة المحمدية
فإن فعلت هذا كله وما زال الضعف يراودك، فتعزَّ وتسلَّ بما جاء في افتتاح سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁴⁾.
قد تسأل متسائلاً لتنبيه البصيرة: ماذا نعمل حين نعجز عن الصبر حتى بعد الاستعانة بالعبادات؟ فيأتي الجواب العقائدي العميق: إن لم تقو على النجوم، فتعزَّ بالنجم الأعظم والحبيب الأكرم ﷺ؛ تذكر قد إيه صبر سيدنا النبي، وقد إيه حلم، وقد إيه رحم! لقد كان يوم أحد، حين أدمي وجهه الشريف، تتساقط قطرات دمه الطاهر، فيضع كفه الشريفة يلاحقها ويتلقاها، شفقةً ورحمةً بالخلق، ويقول في ذلك المعنى الثابت في خصائصه: «أخشى أن تسقط قطرة من دمي على الأرض فيعاجلهم الله بها»⁽⁵⁾.
إن هذا الموقف ليس مجرد سردٍ تاريخي، بل هو تأسيسٌ لعقيدة "الرحمة والشفاعة المحمدية"؛ فالنبي ﷺ هو أمان الأمة من العذاب الاستئصالي، وقد أدرك ببصيرته النبوية وعلمه بالله أن الأرض إن مست دمَهُ الطاهر غضبت لغضب خالقها، فنزل العذاب الفوري بالمشركين؛ فكان حبسه لدمه الشريف بيَدِه كمالاً في الرحمة ومظهراً من مظاهر العصمة والشفاعة التي خصّه الله بها دون سائر الأنبياء، وهو ما قرره علماء التوحيد والسيرة كالإمام القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) (شارح صحيح البخاري وركن المذهب الشافعي).
الصلاة على النبي وسر الفتح العقائدي في معارج اليقين
فإذا وجدت نفسك، بعد كل هذه المحاولات، غير قادرٍ على استدعاء الصبر وإبعاد الحزن، فأكثر من الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ؛ لتعرف الناس من أين تأتي المعارك الروحانية والفتوحات الإيمانية، ولترى السماوات ببروجها ومغاليقها لمين تتفتح! انظر إلى الإعجاز في ترتيب سور القرآن العظيم؛ فإن سورة الإسراء التي تمثل ذروة المعراج والفتح، قد سبقتها في الترتيب سورة النحل، التي يختمها ربنا سبحانه وتعالى بتقرير قاعدة التوحيد والصبر إذ يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾⁽⁶⁾.
إن في هذا الربط سراً عقائدياً جليلاً؛ فمن أراد أن يكون له معارج في اليقين فليصبر، ومن أراد أن يسري الله بروائح لطفه به، وأن يسرّي عن قلبه همومه، فليحقّق الصبر هنا.
الصبر في نص النحل هو الإسراء الحقيقي، والصبر هنا هو المعراج الروحاني؛ فهمتوا الإشارة يا ولدي؟ فهمنا الرسالة.
إن لم تقدر فصلِّ على النبي، وإن لم تقدر فسبّح، وإن لم تقدر فقم الليل؛ فإن كانت الوجيعة ثقيلةً على فؤادك، فضع مقام النبوة وشمائل المصطفى ﷺ نصب عينيك، لتستمد من نوره صبر الموحدين.
عقيدة المعية الإلهية الخاصة للمتقين والمحسنين
فإن تساءلت: أمالهاش بقى حل؟ وإذا اعترفت بالعجز قلت: لست بقادرٍ على الصبر ولا قادر على إبعاد الحزن ولا أستطيع فعل هذه الطاعات؟ جاءك العزاء الإلهي والمدد العقائدي الأسمى الذي لا يبقي للوحشة أثراً في قلب الموحد؛ حيث عزانّا المولى سبحانه عزاءً عظيماً كعزائه الأول، فقال في ختام سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾⁽⁷⁾، ثم يعقبها مباشرة في افتتاح السورة التي تليها بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾⁽⁸⁾؛ وكأنه سبحانه يقول لك: إن عجزت عن الصبر فليعزّك ويطمئن قلبك أننا معك! وهنا تتجلى عقيدة "المعية الإلهية" في أبهى صورها عند أهل السنة؛ فمعية الله لخلقه تنقسم إلى معية عامة وهي معية العلم والإحاطة والقدرة لجميع الخلق برهم وفاجرهم، ومعية خاصة وهي معية النصر والتأييد والمحبة والتوفيق والعناية، وهذه لا تكون إلا للتقاة والمحسنين.
انظر كيف تأرجح الخطاب الإلهي ليجبر كسر قلبك؛ هناك في الموضع الأول قال آمرًا بالصبر: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، فلما اشتد البلاء وصرت مانيش قادر أصبر، قال لك مواسيًا ومؤيدًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
ذروة الاعتقاد: مقام الإحسان والرضا المطلق بمشيئة الله تعالى
ففي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، بيانٌ أنك بمرأى منا وعناية، فإن صبرت وتحملت كنت متحققا بسر قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ وهنا في مقام العجز والضعف قال لك: ﴿فَإِنَّكَ مَعَنَا﴾.
فالعبد وهو صابرٌ مع الله، والعبد وهو راضٍ مع الله، والعبد وهو محسنٌ مع الله، مندرجٌ في تمام طي كمالات عبوديةٍ صادقة قيل في ثنائها العظيم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾⁽⁹⁾.
وأما في كمال رضاه، فإن العقيدة الراسخة في قلب المريد أن الله يعلم ما به من الضر، وأن الله مطلعٌ على بلواه، وأن الله قد رأى الظالم وهو يطعن ويضرب ويظلمه.
إن علمي العقائدي بأن الله يراني، وعلمي بأنني في معية الله الخاصة، وعلمي بأن الله محيطٌ ببليتي ومصيبتي، قد غلبني وملك عليَّ أقطار نفسي، حتى منعني من السخط وأوزعني أن أسأل الرضا، اكتفاءً بمشيئة الله تعالى وتسليماً لقضائه وقدره.
هذا الاكتفاء بالمشيئة الإلهية، واليقين التام بصفات الله وأفعاله، هو السر التوحيدي الأعظم الذي رقى بالعبد وسمت به منزلته من بين سائر النجوم، ليكون متحققاً بصفاء العبودية والتواضع للحق في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾⁽¹⁰⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الصبر ليس ضعفاً: تأملات روحانية وأسرار بلاغية في معارج الإحسان من سورتي النجم والإسراء)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الصبر والاستعانة بالعبادات في تأملات سورة النجم: أحكام قيام الليل والقصاص والرضا بالقضاء)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (معارج التزكية وسلوك الصابرين: أسرار الإحسان والرضا في تأملات سورة النجم والإسراء)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (الصبر مش ضعف (تأملات من سورة النجم): تفريغ نصي دقيق وتوثيق علمي رصين لاستنباطات الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (ضيق الصدر من ظلم الخلق والشعور باستمرار البلاء: كيف أجد الفرج وأصبر دون ضعف؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (العجز عن الصبر وضعف الهمة عن قيام الليل والذكر: كيف أنال الفرج وأصل إلى الرضا بقضاء الله؟)الأسئلة
وقت القراءة 12 دقيقة
