بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سر الإخلاص وأرواح الأعمال: رحلة في ظلال الأحدية وحصن الصمدانية
سر الإخلاص وأرواح الأعمال: رحلة في ظلال الأحدية وحصن الصمدانية
حصن الإخلاص والملاذ الآمن
الإخلاص، وسورة الإخلاص، عصمةٌ متينة من مكايد الشيطان.
يا ولدي، لست أدري لِمَ تَرى القومَ غافلين، يهرعون ذات اليمين وذات الشمال نحو المواقع ومن يدّعون فك السحر ودفع الضر، والمفتاح بين أيديهم؟! إن لم يكن لديك الحل في قلبك فلا دواء لك! لُذ يا بني بالأحدية، واحتمِ بالواحدية، واعتصم بالصمدانية، وتدثر بالفردانية.
قُل بلسان الافتقار: "يا واحد، يا أحد، يا فرد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، لا إله إلا أنت، فرج عني ما أنا فيه".
أرواح الأعمال وسر طهارة القلوب
ألم تسمع يا بني قول الإمام ابن عطاء الله السكندري ⁽¹⁾ (ت ٧٠٩ هـ، تاج الدين وقطب العارفين) حين قال: "الأعمالُ صُوَرٌ قائمةٌ، وأرواحُها وجودُ سِرِّ الإخلاصِ فيها"؟ فإذا تعسر عليك طريق الإخلاص، ولم تدرِ كيف تكون مخلصاً، فاعلم أن من أراد الإخلاص فليقرأ سورة الإخلاص؛ فإنها الدرع والعصمة من الشيطان.
وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو الحسن الشاذلي ⁽²⁾ (ت ٦٥٦ هـ، قطب الصوفية ومؤسس الطريقة الشاذلية) قائلاً: "من أراد أن يُطهر قلبه فليقرأ سورة الإخلاص".
ويزيد الإمام الجنيد ⁽³⁾ (ت ٢٩٨ هـ، سيد الطائفتين وإمام العارفين) الأمر جلاءً فيقول: "من داوم عليها سقطت عنه الأغيار".
أما الإمام ابن عجيبة ⁽⁴⁾ (ت ١٢٢٤ هـ، العالم الرباني والمفسر المُقْرىء)، فقد كشف عن جوهرها حين سُئل عنها فأجاب: "هي ماء الحياة في القلب، لأنها تُعيد إليه فطرته السليمة".
مقامات التوحيد والتداوي بماء الحياة
لتجعل من هذه السورة دواءً لروحك يا ولدي، داوم عليها حتى يفيض قلبك بثلاثة أحاسيس جليلة:
الأولى: ألا أرى لنفسي فضلاً على غيري،
والثانية: ألا أرى لنفسي عند طاعة ربي أجراً على عملي،
والثالثة: ألا أرى لعملي مَزيّة أَمُنُّ بها على ربي.
فإنك حين تقرأ هذه السورة، تلج في بحار أربعة معانٍ من التوحيد: معنى الأحدية المكنون في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ومعنى الصمدية في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، ومعنى الواحدية في ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، ومعنى الفردانية في ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾.
فسر الإخلاص يكمن في الشهود التام للأحدية، والواحدية، والصمدية، والفردانية.
أدب المخلصين مع الذات العلية
فإذا رمت يا بني أن تكون من المخلصين حقاً، فتأدب مع كونه واحداً فلا تلتفت إلى غيره، وتأدب مع كونه أحداً فلا تخض في ذاته أحداً، وتأدب مع كونه صمداً فلا تطلب من غيره، ولا تطلب غيره، ولا تطلب منه غيره، إذ ليس على فردانيته غيرك.
وتأدب مع كونه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ فلا تعتمد على سواه.
فإن عشت في ظلال هذه المعاني الأربعة، فقد استدعيت سقوط الأغيار من قلبك، واستدعيت طهارته حتى من شهود الأنوار، واستدعيت ماء الحياة ليعيد لقلبك فطرته السليمة.
فالأحد يا بني: اى ذاته أحدية لا تقبل التبعيض.
والواحد: اى ذاته واحدية لا تقبل التعداد.
والصمد:اى لا جَوف له ولا نِدَّ له، وكل موجود إليه محتاج، فيقضي حوائجهم وهو الغني المفتقر إليه كل أحد، ولا يحتاج إلى أحد.
ولم يكن له كفواً أحد: أي لا مثيل له ولا نظير سبحانه.
سر الاجتباء ودعاء الاسم الأعظم
وحينما ارتقى أهل الله إلى مقامات الإخلاص، حَلَّ من الإخلاص عليهم بركات عجيبة.
فتأمل يا ولدي كيف توعد الشيطان فقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فاستثنى الله أهل العصمة قائلاً: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ⁽⁵⁾.
ولما مَرَّ النبي ﷺ على رجل وهو يدعو الله قائلاً: "اللهم إنك أنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، لا إله إلا أنت"، قال المصطفى مبشراً: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» ⁽⁶⁾.
وهنا يلوح لنا تساؤل دقيق: هل العصمة للمُخلِصين أم للمُخلَصين؟ وما الفرق بين المُخلِص والمُخلَص؟ اعلم يا بني أن الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، فالمهتدي "مُخلِص" يجاهد نفسه، والمجتبى "مُخلَص" أقيم في مقام الحفظ؛ لأنه أيقن ألا حول للعبد ولا قوة في إخلاصه.
فمن احترقت بداياته بصدق التوجه والإخلاص، أشرقت نهاياته بنور التخليص.
المخلصون سائرون إلى الله، والمُخلَصون هم أهل الاجتباء في حضرة الله تعالى.
ولتنظر إلى نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ⁽⁷⁾.
فالمُخلَص مصروف عنه فعل السوء، محفوظ عنه، معصوم منه؛ هي هَمَّت به لتكذبه وفي الطلب، وهو هَمَّ بها ليدفعها وفي الهرب إلى الله.
المحبة التي تورث الجنان
وقد مَرَّ جماعة من أصحاب النبي ﷺ على رجل في مسجد قباء، كان كلما صلى قرأ بسورة الإخلاص، فذهبوا إلى سيدنا رسول الله ﷺ، وقالوا له: "يا رسول الله، إن فلاناً كل ما صلى يقرأ بسورة الإخلاص".
فسأله سيدنا النبي: "يا هذا، بيقولوا إنك كل ما تصلي بتصلي بسورة الإخلاص، إيه الحكاية؟ وما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟"، فأجاب بلسان المحب الواله: "يا رسول الله، إني أحبها".
فقال له المصطفى ﷺ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» ⁽⁸⁾.
وكيف لا يا ولدي وهي تعدل ثلث القرآن؟ سألوا لم؟ قيل لأنها رُبع العقيدة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ولما جاء القوم لسيدنا النبي ﷺ يطلبون محاضرة في التوحيد والعقيدة كاملة، قالوا: "صِف لنا ربك"، فنزل الوحي حاسماً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ولطالما قلت فيها قبل ذلك: "وقُل أتت لنا لطيفة..أحدية أسرارها شريفة".
فكلما مررت بكلمة ﴿قُلْ﴾ في القرآن، فقف وانتبه، فإنها رسالة من الحضرة.
خيبة المرائين وسقوط الأقنعة
وهنا يُرسي النبي ﷺ قاعدة جليلة تُزلزل القلوب، فمن الحُمق يا عباد الله أن تعبدوا الله بعبادةٍ وجهتكم فيها إلى الخلق، وتزعمون أنكم تعبدون الحق! فإن أول ثلاثة سيقفون أمام ربنا سبحانه وتعالى للحساب، هم ثلاثة من أجلّ الناس عملاً في الظاهر ⁽⁹⁾.
أول واحد فيهم: الشهيد، يقفه الله بين يديه ويُذكره بنعمه عليه، فيسأله الجليل: "فماذا فعلت حيال نِعَمي عليك؟"، فيقول مفاخراً: "قاتلت وجاهدت في سبيلك، فقاتلت فَقُتِلت في سبيل الله".
فيأتيه الرد الصاعق: "لا، استنى، ده أنت ما أخدتش بالك، أنت الصورة كانت إيه؟ قتال، والشكل قدام الناس إيه؟ شهيد، إنما قاتلت ليُقال عنك شجاع، وقُتِلت فقيل عنك شجاع.
وقد قيل!".
المنطوق والحكم هنا أنه سبحانه حَكَم على الشهادة هذه بأنها مجرد صورة ما لهاش حقيقة في حضرة الحق، لماذا؟ لعدم وجود سر الإخلاص فيها.
نال حظه بقولهم "وقد قيل!"، فكان المصير: "فادخل النار".
ثم نأتي بالثاني: واحد عالم، ملأ طباق الدنيا علماً، يا سلام! أوقفوه بين يدي ربنا وذكره بنعمه، فسأله: "ماذا فعلت؟"، قال: "تعلمت العلم فيك وقرأت القرآن من أجلك".
فقال له المولى: "كذبت" أنت نسيت امرين: صحة التوجه وصدقه لم يكن صحيحاً.
لقد وقعت في الحجاب بالنعم عن المنعم، استعنت على هذه النعم ليُقال إنك عالم وقارئ، وقد قيل! فادخل النار".
أما الثالث، فهاتوه! قالوا: "من؟"، قالوا: "رجل الله أعطاه من واسع فضله"، وماذا فعل ؟ أقام هيئة ومؤسسة كبيرة ، يطعم الناس ويسقى الناس ويُسعد الناس ويُكسي الناس.
فجِيء بالغني المنفق في سبيل الله، فسأله ربه: "ماذا فعلت من أجلي؟"، فقال له: "قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ".
فيفضحه الحق: "قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ فادخل النار".
فاحذر يا ولدي أن تكون أعمالك بلا روح، واجعل سرك وعلانيتك لمولاك الأحد الصمد.
