Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

مقامات السلوك في ليلة النصف من شعبان: من دواء "الشحناء" إلى جنة "أرحنا بها"

مقال تربوي وسلوكي بليغ مستنبط من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، يغوص في أسرار علم السلوك وتزكية النفس. يعالج أمراض القلوب كالعُجب والغرور، ويبين كيف يرتقي السالك في مدارج التصوف السني المعتدل من ثقل التكليف إلى حلاوة المناجاة ونيل نظرة الرضا الإلهي.

التخلية قبل التحلية: دواء القلوب من داء "الشحناء"
يا ولدي، إن طريقنا هذا، طريق "التصوف السني المعتمد"، لم يُبنَ يوماً على التخلي عن التكاليف أو الاستهانة بأحكام الشريعة الغراء بدعوى بلوغ "الحقيقة" أو "الباطن"، بل إن القاعدة الذهبية التي سار عليها أئمتنا الأعلام كـ سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ) (سيد الطائفة وإمام السالكين) تنص صراحة على أن: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
ومن هذا المنطلق الرصين، أوصي نفسي المُقصرة وإياكم ونحن نقف على أعتاب النفحات الإلهية، بأن نصحح ظواهرنا لتشرق بواطننا.
فمن كان في قلبه جفاء فليبادر إلى من خاصمه ليصالحه، ومن قطع حبل رحمه فليسعَ ليوصله، ومن عادى أحداً فليطوِ صفحة العداء بمسامحته.
إن عجز أحدهم عن طلب العفو منا، فنعفو نحن عنه، وإن ضاق صدره عن مسامحتنا، فنسامحه نحن، وإن بخل بتقديم الخير لنا، بادرنا نحن وصنعنا الخير فيه.
هذا هو "مقام الإحسان" وتلك هي التزكية العملية التي أمرنا بها، فقد روى الصحابي الجليل مُعاذِ بنِ جبل (ت: ١٨ هـ) (إمامُ العُلماءِ يومَ القيامة) عن سيدنا رسولِ اللهِ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» ⁽¹⁾.
فيا ليت الأرواح التي استوطنتها الخصومة تتذوق هذا الذوق الرفيع من الأدب مع الله، لتنجو من موانع المغفرة.
عُقدة الإصرار: حين تكون الخصومة مع الجبار
وإياك يا ولدي أن تظن أن "الشحناء" تقف عند حدود الخصام بين البشر فحسب؛ بل إنها تتدرج في مراتب مهلكة، أولها وأشدها خطراً أن يكون السالك مُصراً على كبيرة من الكبائر.
فالخصومة هنا، ويا لها من حسرة، تكون بينك وبين ربك الجليل جل جلاله! فمن أبشع صور الشحناء ومرض "النفس الأمارة بالسوء": ترك الصلاة المفروضة، والاجتراء السافر على معاصي الله، واستعمال نعم الله لتكون سلاحاً تعصيه به.
لذا، كان لزاماً عليك في مسلك التزكية، وقبل أن تشرق شمس ليلة النصف من شعبان، أن تحل "عقدة الإصرار".
فالمؤمن الحق، المترقي في مقامات السلوك، لا يصر على ذنب ولا يستكبر عن العودة.
التوبة هي أولى مقامات الطريق، وهي الانكسار بين يدي العزيز الغفار.
مقام التوبة والاستعداد لنظرة الرضا الإلهي
وقد يسألني سائلكم، والدمع يترقرق في عينيه: "وماذا نصنع يا سيدنا؟ كيف ننجو؟" فأقول لك يا ولدي، ويا مريدي في طريق الله: تُب إلى مولاك، وأكثر من الاستغفار، وجهز روحك لاطلاع الخالق على صحيفة أعمالك.
قف مع نفسك وقفة صدق وتساءل: هل نحن جاهزون حقاً لأن ينظر ربنا في صفحتنا؟
إن هذا "الاطلاع" الإلهي ليس لكشف مجهول، فالله محيط بأعمالنا ومحصيها عدداً، بل هو اطلاع رحمة وجذب إلهي.
إنه ينظر إلينا لعل عاصياً يعود لرحابه، ولعل غشاشاً في الميزان يوقظ التوحيد ضميره فيقول: "يا فتى كفى تمادياً"، ولعل رجلاً ابتلع ميراث أخواته يرتدع ويقول: "كفى ظلماً في خلق الله"، ولعل قاطعاً لرحمه تلين قناته فيزور أهله، ولعل مفسداً في الأرض تدركه العناية فيتوب.
"الشبر" الذي يفتح أبواب المدد: علاج الغفلة وضعف الإرادة
وكيف نستعد لهذا التجلي؟ الأمر يسير جداً، حاول، ونحن بعون الله ودعائنا سنساعدك.
استمع بقلبك إلى هذا الحديث القدسي الجليل الذي رواه أبو هريرة (ت: ٥٩ هـ) (راويةُ الإسلام وحافظ الأمة): «...وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا...» ⁽²⁾.
هل تدرك يا ولدي ما هو هذا "الشبر" في ميزان السلوك؟ إنه نية صادقة تنعقد في قلبك، إنه صدقة السر، إنه مجاهدة "النفس اللوامة" لترك الهوى.
فإذا خطوت هذا الشبر، أتاك "الذراع" الإلهي؛ سيعينك الله على نفسك، ويسهل لك أمرك، ويزيل عن بصيرتك حجب الغفلة.
حتى ذلك الذنب الذي أدمنته وكنت تظن نفسك ضعيفاً مهزوماً أمامه، ستجد فجأة قوة ربانية قاهرة تنبعث في كيانك، فتنتفض قائلاً: "الحمد لله، تُبت إلى الله"، وتجد قدماك تسوقانك طوعاً إلى رحاب المسجد.
خُذ الخطوة، واصدق في النية، وسيتولاك مولاك بمدده.
آفة العُجب والكبرياء: من "عزيمتي" إلى "فضل ربي"
وهنا يجب أن أقف بك عند منعطف خطير من منزلقات الطريق، وهو مرض "العُجب" والكبر.
إن من تجليات الحق سبحانه وتعالى قدرته البديعة على تبديل القلوب، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ⁽³⁾.
هذا هو عين الرشاد الإلهي.
فاللهم حبب إلينا الإيمان واستنقذ قلوبنا من مرارة حب العصيان.
يحدث أن يكون الإنسان محباً لذنب، فجأة تنقلب أحواله فلا يطيق حتى شم رائحته! فما الذي حدث؟ هنا يتدخل مرض العجب ليقول الإنسان المغرور: "لقد نجحت لأن لدي عزيمة قوية!".
لا يا مسكين! بل لأن لك رباً رحيماً! إياك أن تنسب الفضل لنفسك المريضة، لعلها عناية إلهية صادفتك، أو لعلك مررت بموطن فيه رحمة، أو مجلس من مجالس الذكر الصافية، فرُحمت وعُوفيت.
فاشكر الله على ذلك، واعلم أن التوفيق بيده وحده، وهذا هو صميم الرد على من ينكرون أثر النفحات والتوسل بالصالحين والتعرض لرحمات الله في مجالس الذكر.
ثمرة السلوك: من ثقل "أرحنا منها" إلى جنة "أرحنا بها"
يا ولدي، حين يزدان الإيمان في قلبك، وتترقى إلى مقام "النفس المطمئنة"، يتغير طعم العبادة في روحك.
فتلك الركعتان اللتان كنت تصليهما لتفر من الله وتُسقط عنك الفرض الثقيل، أصبحت تصليهما الآن لتفر إلى الله شوقاً ومحبة.
وتلك الصلاة التي كنت تؤديها بلسان حال يقول: "أرحنا منها يا بلال"، أصبحت اليوم تقف فيها مناجياً، متذوقاً لسر المحبة الإلهية، قائلاً كما كان نبينا يقول لمؤذنه بِلالِ بنِ رَبَاح (ت: ٢٠ هـ) (مؤذنُ الرسولِ وصاحبُ الصوتِ النديّ): «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا» ⁽⁴⁾.
لقد تبدل الحال لأن الله أقبل بوجهه الكريم عليك، ولأن التصوف الحقيقي قد أحيا فيك روح العبادة.
فلتعد بي إلى ذلك "الشبر" الأول الذي نتحدث عنه.
تُرى ما الذي يجعلنا نتخانق في بيوتنا؟ ما الذي يملأ المحاكم بالخصومات والمشاكل بين الأخ وأخوه، والزوج والزوجة؟ وما الذي هتك أستار البيوت ومحا آثار الجيرة الطيبة؟ لم يحدث كل هذا الخراب إلا عندما أثرت فينا النفس الأمارة، وتعاظمت فينا "محنة الغرور".
فتخلّص يا ولدي من كبرك، وانكسر على باب مولاك، لعلنا نُكتب في ليلة النصف من شعبان من عتقائه وممن رضي عنهم ونظر إليهم نظرة لا يشقون بعدها أبداً.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة