بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف تتحول النعمة إلى ظلمة؟ أسرار التجلي والشهود في الحكم العطائية
كيف تتحول النعمة إلى ظلمة؟ أسرار التجلي والشهود في الحكم العطائية
حين تستحيل النعم إلى دياجير من الظلمة
كم من امرئ منا يا ولدي، تفضل الله عليه بنعمة تتلألأ في حياته، فأحالها بجهله وغفلته إلى ظلمة حالكة! قد تنال شهادة علمية رفيعة، فإذا بها تسوقك إلى أودية الكبر والغرور، فينطفئ نورها وتحتجب بها. وتأمل في فلذات الأكباد الأبناء، إن لم نغرس في قلوبهم نور القرآن ومحبة سيدنا النبي ﷺ، انقلبوا إلى ظلمة ووبال، وصاروا كارثة في حيواتنا، ومصداق ذلك في التنزيل: ﴿مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ⁽¹⁾. وكيف يكون الابن أو الزوجة عدواً؟ إذا ارتشى المرء ليقتني لولده مركباً فارهة، استحالت نعمة الولد والزوجة إلى ظلمة. وإن قصرت المرأة في صيانة حقوق الحرمة، ولم تعن زوجها على أداء ما افترضه الله من زكاة وإكرام للفقراء، ضاقت به سبل الحياة، واستحالت نعمة الزوجية إلى سجن مظلم.
الكون ظلمة أنارها تجلي الحق
اعلم يا بني أن مرشدنا الإمام ابن عطاء الله السكندري -ت: 709 هـ- (تاج العارفين وركن الطريقة الشاذلية) ⁽²⁾ قد صدق حين قال في حكمته: "الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه". فمن جال ببصره في جنبات الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده؛ فقد أعوزه وجود الأنوار. فلا نور يشرق هنا إلا بمعرفة الله. إن حياة الإنسان بأسرها ليست سوى عتمة وغفلة، ولا تضيء في حياتك سرج البشائر والآمال إلا على قدر معرفتك بالله. فالعالم بأسره ظلمة إن لم يدلك على خالقه، بل يصير حجاباً تحجب به.
وتلك المركبة التي تستقلها هي ظلمة محضة، إن لم يلهج لسانك قائلاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا﴾ ⁽³⁾. وهذا الدرب الذي تسلكه ظلمة، لا يستنير إلا بصحبة الحق، فحين ترتحل قل: "اللهم أنت الصاحب في السفر". وأنت في ترحالك، تنظر إلى الإبل بجوارك، كما نبهك القرآن في سفرك: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ⁽⁴⁾، فهل تقف بنظرك عند الإبل أم تتجاوزها إلى مبدعها؟ إن الله لم يدعونا للوقوف عند رؤية الأكوان، بل دعانا لشهود الفعال المكون. فمن وهبك المركب؟ ومن رزقك المسكن؟ ومن أعطاك الولد؟ إنه الله. فلينظر المرء، أمن حلال جاءه ذلك أم من حرام؟ إن كان من حلال، فبورك لك فيه يا بني ونجوت، وإن كان من حرام، فاترك كل هذا وفر إلى الله، فما هي إلا أيام معدودات وتنقضي، ولن ينفع أحد أحداً.
مقامات المكاشفة: شهود الحق في مسالك الأفعال
إن الناس يا بني، عند مكاشفة الحقائق وتجلي الأنوار، على مقامات ؛ فإما أن ترى الله قبل الفعل فتوحده قيوماً، وإما أن تراه عند الفعل فتوحده فاعلاً قادراً قديراً، وإما أن ترى الله في طيات الفعل فتوحده لطيفاً، وإما أن ترى الله بعد الفعل فتوحده متفضلاً مانحاً عظيماً. وكل هذه الأفعال أدلة تسوقك إليه سبحانه؛ فالأولى دلتك على العلم بالله، والثانية دلتك على حكمة الله، والثالثة دلتك على الشكر لله.
وفي كل أطوار هذه المكاشفات يستدل العبد على ربه. فمن أُعطي الكشف من طريق اسم الله "الأول"، رأى الله قبل الفعل، فيسوقه ذلك إلى ذروة الرضا والتسليم. فإذا ما رأيت الله في الكل فاعلاً، رأيت جميع الكائنات ملاحا، وهذا ما عبر عنه الحق بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ⁽⁵⁾، وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ⁽⁶⁾. فما هذا السر إذن؟ السر كامن في قوله: ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ ⁽⁷⁾، وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ⁽⁸⁾.
لذا، تجد أهل الله هم أهل الرضا، حتى في الأفعال لا يرون لأحد إرادة على الإطلاق. ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ أسوة، حين جاءوه يطلبون منه أن يدعو على قبيلة دوس، فما كان منه إلا أن قال: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» ⁽⁹⁾، فجاءوا مهتدين مجبورين.
تجليات اسم الله الباطن والظاهر في مسرح المقادير
والثاني من أهل المكاشفة ينظر من زاوية اسم الله "الباطن"، فيرى الحق عند الفعل فيجده لطيفاً، فساقه ذلك إلى التسليم، لأنه عرف الحكمة. وهذا ما تجلى في صنيع سيدنا يوسف عليه السلام، حين قال لأبيه: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ⁽¹⁰⁾. هذه هي مكاشفة اسم الله الباطن!
فالعبد إذا أبصر بعين الباطن، طهر قلبه من الحزن والغضب على الخلق، وأيقن أنه ما من أحد فعل شيئاً من تلقاء نفسه، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ⁽⁵⁾. لقد رأى سيدنا يوسف عند السجن لطف الله القائل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ ⁽¹⁰⁾. فلو قبعوا بجوار أبيهم يعقوب، لصار مجرد الشيخ ابن الشيخ، ولكن حين رموه في البئر، ودوه إلى أين؟ لقد كانوا سفراء قضاء الله المغلف بلطفه، وكانوا رسل اللطف في طيات القضاء.
أما الرابعه : من رأى الحق بعد الفعل، فساقه ذلك إلى الإنابة مع الشكر، فينطق بلسان يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ⁽¹¹⁾.
ولما يطوي العبد الدنيا بكشف الحقائق الكبرى، فيرى بعين اسم الله "الأول" الأزلية في الإرادة، وبعين اسم الله "الباطن" يرى اللطفانية في الحكمة، ويرى بعين اسم الله "الظاهر" نفاذ الحكم في المشيئة، ويرى من اسم الله "الآخر" أن الله سبحانه وتعالى له قهرية الحكم وسطوة الجلال على خلقه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ⁽¹²⁾. فإذا انجمع كل هذا في عبد، هتف من أعماقه قائلاً: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ ⁽¹¹⁾.
مفارقة الغرور والشهود: بين قارون ويوسف
إن المشروع الذي أقمته يا ولدي، هو حجاب كبير وظلمة، إلا إذا كنا سنغدق منه على خلق الله. والمال الطائل الذي ورثته، والوظيفة المرموقة، كلها ظلمة، إلا إذا كنا سنخدم بها عباد الله. بل أنت ذاتك ظلمة، إلا إذا وقفت تخدم خلق الله وتسجد شكراً لله.
تأمل قارون، حين احتجب، نسي أنه وُلد من بطن أمه لا يعلم شيئاً، وأن الله هو من أعطاه أسراراً يحول بها التراب إلى ذهب. فلما سألوه: من أين جئت بهذا العلم؟ قال مكابراً: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ ⁽¹³⁾. هذا حال الإنسان إذا احتجب في علمه، وفي قدراته العقلية، وشهادته، ووظيفته، وعبقريته. كان قارون من عباقرة الاقتصاد، وملك الذهب والمال في العالم، فكان كنزُه مقبرتَه! كان يسهل عليه أن يقول: "ذلك مما علمني ربي". فانظر إلى الفرق بين يوسف وقارون؛ فهذا قال: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ ⁽¹³⁾، وذاك قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ﴾ ⁽¹¹⁾.
وقبل أن تُخسف به الأرض، انقسم الناس أمامه؛ طائفة غرتهم المظاهر، والتهوا فيه، واحتجبوا به عن معاني الله، فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ۖ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ⁽¹⁴⁾. لقد خُدع فيه كثير من المغفلين حين خرج على قومه في زينته كاقتصادي كبير ورجل أعمال يملك العالم.
كم من امرئ اليوم يأكل الحرام ويركب مركباً فارهة، فينظر إليه آخر متمنياً: "يا ليتنا نملك مثل هذه!" يا بني، إنها مسروقة، فقل: "الحمد لله الذي عافانا من هذا". أتتمنى أن تكون كموظف مرتشٍ مصيره إلى سقر؟ إن تلك السيارة الفارهة وراكبها لا يزنان عند الله شيئاً، ما هما إلا جمرة من جهنم؛ هذه ظلمة لا حقيقة للكون فيها، ولا تصير نوراً إلا إذا ركبها رجل صالح، أتى بها من طريق صالح، واستعان بها على طاعة. الموحدون يرون بنور الله؛ فإن رأوا الله قبله علموا أنه سارقهم، وإن رأوه معه علموا أنه مفتون، وإن رأوه بعده قالوا: "الحمد لله الذي عافانا"، لأنهم يرون عقوبته.
أما الطائفة الأخرى فقالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ⁽¹⁵⁾. علموا أنه مخدوع، فماذا حدث؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ ⁽¹⁶⁾؛ هذا هو شهود الله بعد الفعل! ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ ⁽¹⁶⁾. لم ينفعه ماله، ولم تسعفه عبقريته لتخرجه من الحفرة التي أُلقي فيها.
وحينها أفاق المخدوعون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ ⁽¹⁷⁾. حمدوا الله أن خابت أمانيهم ولم يكونوا مثله. فهموا أن الله لما يمنعك فهو يمنحك، ولما يمنحك أحياناً يمنعك. فلما رأوه يُدفن في أمواله، ولم يجعل له وارثاً يرثها، أيقنوا أنه: "لولا أن مَنَّ الله علينا لخسف بنا". لقد رأوا البيت براكبه يهوي إلى أسفل السافلين.
النور في الجمع بين الأضداد ومطالعة عجائب الأكوان
أرأيتم يا إخواننا، أحياناً ينخدع الإنسان بمظاهر التافهين، وما أكثرهم في زمننا! فيغفل عن شهود أهل الله، ويغفل في هذا الكون عن أن يبحث عن مجالس العلم والأنوار، ويصاحب البطالين. وقد حذرنا الحق قائلاً: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ⁽¹⁸⁾.
ولما قال الشيخ: "الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهور نور الحق فيه"، كان القصد هو ظهور إيجاد وتعريف، لا ظهور حلول وتكييف حاشا لله. وكل هذا من جراء تجلي قول "كن فيكون". فاصطلاحات القوم ليس المراد منها ظاهرها إلا عند ذوي العرفان، وإنما تُدرك بالذوق لا بمجرد التعبير. فقف عند حدك الأدبي وردد قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ⁽¹⁹⁾.
سُئل سيدنا الشيخ أبو سعيد الخراز -ت: 277 هـ- (إمام القوم وشيخ الصوفية في عصره) ⁽²⁰⁾: كيف عرفت الله ووصلت لدائرة أنك ترى الله قبل كل شيء وبعد كل شيء؟ فأجاب: "بجمعه بين الأضداد". فلما قرأ قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ⁽²¹⁾، أيقن أنه اجتمع في حقه سبحانه وتعالى ما يتضاد في حق غيره؛ فإن المخلوق لا يكون أولاً وآخراً في وقت واحد، ولا يكون ظاهراً وباطناً في وقت واحد، وهذه دلالات على وجود الحق المطلق.
وصدق من قال متأملاً في هذه العظمة الكونية التي أنارها وجود الحق: ⁽²²⁾
"قل للطبيب تخطفته يد الردى ... يا شافي الأمراض من أرداك؟"
"قل للصحيح يموت لا من علة ... من بالمنايا يا صحيح دهاك؟"
"واسأل بطون النحل كيف تقاطرت ... شهداً وقل للشهد من حلاك؟"
"وإذا رأيت التمر مشقوق النوى ... فاسأله من يا تمر شق نواك؟"
"بل سائل الثعبان كيف تعيش يا ... ثعبان وهذا السم يملأ فاك؟"
"واسأل جنيناً يعيش معزولاً بلا ... راع ولا مرعى، من ذا الذي يرعاك؟"
من الذي يدير هذه الهندسة الكونية؟ إنه الظلمة التي أنارها وجود الحق فيها. فحين يضع الطبيب الجهاز على البطن، ويتفرج على قدرة الله في بذرة صغيرة تكبر وتكبر، ويكون ربنا مقدراً لها في الآخرية أن تكون ملكاً لله.
"في الآفاق آيات لعل أقلها ... هو ما إليه هداك"
"ولعل ما في الكون من أسراره ... عجب عجاب لو ترى عيناك"
