عقيدة التوحيد في الأسماء الإلهية: أسرار الأول والآخر والظاهر والباطن | الدكتور جابر بغدادي
استمع لمقال: عقيدة التوحيد في الأسماء الإلهية: أسرار الأول والآخر والظاهر والباطن | الدكتور جابر بغدادي
عقيدة المسلم قبل المنام: التوحيد الخالص
يا ولدي، إن من أرسخ ما يجب أن يتربى عليه قلب المؤمن الموحد، أن يعقد قلبه على صحيح الاعتقاد في الله جل جلاله في كل وقت وحين، ولا سيما حين يأوي إلى فراشه. وقد كان من هدي حبيبنا المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه، أنه كان لا ينام حتى يقرأ السور المُسبِّحات⁽¹⁾. وهذا الفعل النبوي ليس مجرد ورد ليل، بل هو تجديد لعقيدة التوحيد وتنزيه للخالق سبحانه وتعالى.
وإذا أردت يا بني أن تقف على سر من أسرار هذه العقيدة، فاقرأ مفاتح سورة الحديد وخواتيم سورة الحشر، فإن فيهنّ آيةً هي في ميزان الاعتقاد أفضل من ألف آية. هذه الآية هي قول الحق جل جلاله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾⁽²⁾. إنها آية تؤسس لقواعد التوحيد وتنسف كل تصور خاطئ عن ذات الله العلية.
عقيدة الأزلية والأبدية: الأول والآخر
تأمل يا ولدي في هذا النظم القرآني المعجز الذي يرسخ عقيدة التنزيه المطلق؛ فهو سبحانه: أول، وهو آخر، وهو ظاهر، وهو باطن. هي أربعة أسماء جاءت بأوزان بينة لترسخ في قلبك أنه: ما قبله شيء، وكذا ما بعده شيء، تعالى الله ذو السلطان، ما فوقه شيء، وكذا ما دونه شيء، وذا تفسير ذي البرهان الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
في هذه الآية يا بني ستة أسماء لله تعالى، وفيها يكمن سر الاستواء الإلهي في العقيدة. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تلقين أصحابه هذا المعنى العقائدي العميق، فعلم واحداً من الصحابة أن يقول قبل أن ينام، مقرراً عقيدة التوحيد بلسانه وقلبه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فليسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ»⁽³⁾.
يا ولدي، من عرف اسم الله "الأول" بعين البصيرة والعقيدة السليمة، رأى بدائع قدرة الله في الأزلية. فما معنى أن نعتقد أنه "الأول"؟ معناه أنه المنفرد بالوجود قبل كل شيء، فهو الأول بلا بداية؛ قَبْلِيَّةٌ مطلقة لا تحتمل في طياتها أن يكون لها بداية، وهذا ينفي عنه سبحانه مشابهة الحوادث والمخلوقات التي لها بدايات. وما معنى أنه "الآخر"؟ معناه أنه الباقي بعد فناء خلقه، فليس بعده شيء، وآخريته سبحانه لا تحتمل أن يكون لها نهاية، فهو الباقي المنزه عن العدم والزوال.
ولترسيخ هذه العقيدة في النفوس، نقف مع ما جاء به أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام البخاري في صحيحه⁽⁴⁾، فقد قالوا له: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر. إنهم يا بني لم يكونوا يسألون عن مجرد تاريخ الكون كعلم من علوم الدنيا، بل كانوا يسألون عن أصل العقيدة والتوحيد الخالص، وعن بداية الخلق ليعرفوا الخالق. فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقاعدة عقدية راسخة قائلاً: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ»، وفي رواية أخرى تؤكد المعنى: «ولَمْ يَكُنْ شيءٌ مَعَهُ». وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء. هذا هو التوحيد الخالص الذي ينفي أن يكون مع الله شريك في الأزل، أو أن يكون هناك شيء قديم معه جل جلاله.
حقيقة التوحيد: إفراد القديم عن الحادث
وهنا يا بني يتجلى الفهم العميق لأئمة السلف في ترجمة هذا المعنى العقائدي. فقد سُئل الإمام العارف ذو النون المصري⁽⁵⁾: أتعرف التوحيد؟ فأجاب بكلمتين اثنتين تلخصان عقيدة أهل السنة والجماعة، قال: "كان الله ولم يكن معه شيء، وهو الآن على ما عليه كان".
وهنا يجب أن ننتبه يا ولدي ونحترس في فهمنا لعقيدتنا؛ فهذا الكلام لا يعني إنكار وجود المخلوقات، بل يعني أن وجود الله سبحانه هو "الوجود الواجب" الذاتي الذي لا يستمد وجوده من غيره، بينما وجودنا نحن ووجود الكون كله هو "وجود ممكن" حادث، خلقه الله من العدم، ولا قيام له إلا بأمر الله. فلا استقلالية لمخلوق عن خالقه، فسبحانه هو الغني ونحن الفقراء إليه.
عقيدة التنزيه: الظاهر والباطن ونفي الحُجُب
وإذا تقررت هذه العقيدة في قلبك، ننتقل إلى اسميه "الظاهر" و"الباطن". فالظاهر يا بني، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ». قال أهل العلم والعقيدة: الظاهر هو المستعلي بوصفه وعظمته وقهره عن كل من دونه. وهو "الباطن"، أي: «وَأَنْتَ البَاطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ»، فهو المحيط بكل شيء علما وقدرة، القريب من خلقه بعلمه وإحاطته المنزهة عن الحلول والاتحاد.
فإذا كان هو الذي أوجد هذا الكون من العدم، فكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كل هذا الكون الذي تراه عينك يا ولدي، كيف له أن يحجبنا عن ربنا وهو الذي خلقه؟ الأصل في كل ما تراه من هذا الوجود، أنه إذا قُورن بوجود الله المطلق فهو عدم؛ أي أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً إلا بإذن خالقه. الكون بأسره هو مجال ظهور قدرة الله على خلق الله.
لذلك يطلق الإمام ابن عطاء الله السكندري⁽⁶⁾ صيحته العقدية المدوية، متسائلاً بتعجب ينفي به الغفلة عن القلوب: "فيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟" فالله سبحانه هو القديم الأزلي ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
تساؤلات اليقين لإيقاظ القلوب
وبناءً على هذه العقيدة الراسخة، يطرح العارفون تساؤلات لا يقصد بها الشك، حاشا لله، بل يقصد بها إيقاظ القلوب وتنبيه العقول لترسيخ حقيقة التنزيه المطلق. فسل نفسك يا ولدي مقرراً ومستنكراً على الغفلة:
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء بآثار قدرته؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء بآيات عظمته؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل كل شيء؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء من العدم؟
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء بإحاطته وعلمه؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء؟
فيا عجباً يا ولدي كيف يظهر الوجود، الذي هو في أصله عدم مفتقر للخالق، أمام قدرة من أوجده؟ أم كيف يثبت الحادث المحدود مع الخالق الجليل من له وصف القِدَم المطلق؟ فسبحان من احتجب بشدة ظهوره، وسبحان من دلت عليه آياته، وهو بكل شيء محيط.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الأسماء الإلهية في المسبحات وتجلياتها على القلوب | فضيلة الدكتور جابر بغدادي)المقالات
وقت القراءة
