بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كلمة السر للسعادة الكبرى: التوحيد وبوابة المغفرة الإلهية
كلمة السر للسعادة الكبرى: التوحيد وبوابة المغفرة الإلهية
## التوحيد: المعول الهادم لجبال الخطايا يا ولدي، تأمل معي هذا السر العظيم الذي أودعه الله في كلمة التوحيد؛ إنها المعول الرباني الذي لا تقف أمامه صخرةٌ من صخور الآثام، فكل ما استشعرته في نفسك من جبال الذنوب، وكل ما أثقلك به الماضي المؤلم الذي توهمت في لحظات انكسارك أنه لا حل له في خزانة رحمة الله، تذروه رياح "لا إله إلا الله" هباءً منثوراً.
فيا بني، اجعل من دأبك ترديدها، أطلق لسانك بها مائة أو مائتي مرة في سائر يومك، فهي كالديناميت الذي يفتت صخور المعاصي ويقوض أركان الماضي، إنها مفتاح الانفراج الذي يزيل عن كاهلك ركام الذنب، فالتوحيد ليس مجرد كلمة تقال، بل هو "ديناميت" إيماني يزلزل جبال الآثام في قلبك، ويطهر سريرتك من كل ألمٍ استوطنها.
## في رحاب كرم الرب: نداءات القدسية للعبد يا ولدي، انظر بعين بصيرتك إلى نداءات الملك الغفار حينما يفتح أبواب الرجاء أمامك، متجاوزاً بكرامه ما لا يتجاوزه بشر، حيث يقول في الحديث القدسي الذي يبعث الطمأنينة في قلب المريد: «يا ابن آدم إنك ما رجوتني ودعوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة» ⁽¹⁾.
إنها يا بني دعوةٌ للاستقامة في ثلاثة مقامات:
المقام الأول هو "التوبة"،
والمقام الثاني "الإنابة"،
والمقام الثالث هو "الأوبة".
أمعن النظر في سعة رحمة الله التي لا تضيق بذنب، فقوله: "بقراب الأرض" لا يعني -يا ولدي- تراب الأرض، بل يعني ما يملأ الأرض ويزنها من خطايا، وتأمل في كلمة "خطايا" التي أتى بها السياق لتدل على جسامة ما ارتكبت من مصائب، ومع ذلك، فإن الرحمة الإلهية تحيط بالعبد إحاطة الإشفاق بالابن الضال.
## مقام التوحيد: حينما يغلب الجودُ الوجودَ يا ولدي، ألا تدهشك هذه اللطيفة الربانية؟ في نداءات الله السابقة كان يقول: "غفرت لك على ما كان منك"، أما في مقام التوحيد الخالص، فقد بلغت الرأفة منتهاها؛ فالعقل يعجز عن إدراك كيف يغفر الرب لعبدٍ لم يأتِ بعملٍ سوى ملفٍ واحدٍ في يده، إنه ملف "التوحيد"، ملفٌ يبرهن على أنه لم يسجد لصنمٍ قط، ولم يشرك بربه شيئاً، قلبٌ ملأه نور التوحيد حتى صار لا يرى في الوجود أحداً يستحق المحبة والعبادة سوى الله. وهنا، يا ولدي، تتجلى العظمة في قوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة» ⁽¹⁾، لاحظ دقة اللفظ؛ لم يقل "غفرت لك" كما في المقامات السالفة، بل قال "لأتيتك"، أي إنني يا عبدي سأغمرك بمغفرتي بغير تسببٍ منك، المغفرة هنا عطاءٌ مطلق، يواجه ذنوب العبد العظيمة بكمال المغفرة الإلهية، فإذا جاء العبد بذنوب الأرض، قابله الرب بفيوض المغفرة التي تملأ الأرض وتفيض، فأي سعادةٍ أكبر من أن تخرج من الدنيا بملف التوحيد لتلقى ربك بكرمه الذي لا ينفد؟
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كلمة السر للسعادة الكبرى: التوحيد وباب المغفرة الذي لا يُغلق)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (كلمة السر للسعادة الكبرى: رحلة العبد التائب من طيات الذنوب إلى سعة الغفران)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (التأصيل الشرعي والمقامات في كلمة الشيخ جابر بغدادي حول «السعادة الكبرى»)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (التوحيد.. المنجي من جبال الخطايا)الأسئلة
