مقامات الإحسان وأسرار السلوك: رحلة التزكية ومجاهدة النفس في ظلال السيرة النبوية
بينَ الشَّريعةِ والحَقيقةِ.. مَدخلٌ إلى مَقامِ الإحسانِ
اعلم يا ولدي، أنَّ طريقَ السلوكِ إلى اللهِ تعالى ليس ادعاءً أجوفَ، ولا هلوساتٍ تُسقطُ التكاليفَ الشرعيةَ كما يتوهمُ بعضُ الجاهلين، بل هو عينُ "مقامِ الإحسانِ" الذي أشارَ إليهِ نبيُّنا ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»⁽¹⁾. إنَّ التصوفَ السنيَّ المعتمدَ، الذي خطَّهُ سادتُنا الأعلامُ كالجنيدِ والغزاليِّ والشاذليِّ، يقومُ على قاعدةٍ ذهبيةٍ لا تقبلُ المساومةَ: "كلُّ حقيقةٍ لا تشهدُ لها الشريعةُ بالصِّحةِ فهي زندقةٌ"⁽²⁾.
لا وصولَ يا ولدي إلى بواطنِ اليقينِ إلا بالوقوفِ على ظواهرِ الشرعِ المتينِ. فالصلاةُ، والصيامُ، وسائرُ العباداتِ هي جسدُ الشريعةِ، وأما الإخلاصُ، والخشوعُ، والمحبةُ، فهي روحُ الحقيقةِ. ومن رامَ الروحَ بلا جسدٍ فقد ضلَّ، ومن اكتفى بالجسدِ بلا روحٍ فقد جفَّ قلبهُ ومات. تعالَ معي يا ولدي، لنستقرئَ هذه المعاني السلوكيةَ العظيمةَ، ونُعالجَ أمراضَ قلوبنا من خلالِ النسماتِ النبويةِ التي هبَّتْ علينا من مواقفِ السيرةِ الشريفةِ، وغزوةِ أُحُد.
مَقامُ الشُّكرِ الكامِلِ.. وعِلاجُ آفةِ العُجْبِ والكِبْر
تأملْ يا ولدي في حادثةِ الإفكِ، حينما انجلى الكربُ ونزلَ الوحيُ ببراءةِ أُمِّ المؤمنينَ السيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها. دخلَ عليها الحبيبُ ﷺ مُبشراً، فقال لها الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه مُوجِّهاً ومعلِّماً: "اشكري رسولَ الله". ولكنها، لغلبةِ شهودها للمنعمِ في تلك اللحظةِ، قالت: "لا، بل أشكرُ الله"⁽³⁾.
وهنا يقفُ سيدي الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ، تاجُ الدِّينِ وركنُ الطريقةِ الشاذليةِ)⁽⁴⁾ ليضعَ لنا ميزاناً سلوكياً دقيقاً فيقول: إنَّ ما تفوهتْ بهِ السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها كان هو "الكمالَ" في التوحيد، بيدَ أنَّ توجيهَ سيدنا أبي بكرٍ كان هو "الأكملَ" في السلوك. ولماذا يا ولدي؟
لأنَّك لست من أهل الكمال مثل السيده عائشه وإن النفسَ الأمارةَ بالسوءِ قد يختلجُ فيها داءُ "الكبرِ" أو "الاستغناءِ"، فتتوهمُ أنها قادرةٌ على الوصولِ إلى اللهِ دونَ بابهِ الأعظمِ ونعمتهِ الكبرى! وقد حسمَ الشارعُ الحكيمُ هذا الداءَ بقوله: «لم يشكرني من لم يشكر من أجريتُ النعمةَ على يديه»⁽⁵⁾. فشكرُ الواسطةِ المحمديةِ هو تمامُ شكرِ الله، وهو علاجٌ حاسمٌ لداءِ العُجبِ والكبرياءِ. ومن هنا نفهمُ سرَّ تقديمِ الشهادةِ بالنبوةِ على إقامِ الصلاةِ؛ فالعبدُ لا ينخرطُ في سلكِ العبوديةِ الحقةِ إلا متذللاً على عتبةِ الرسالة. فإياك يا ولدي أن تستمعَ للمتنطعين الذين يُنكرونَ التعلقَ بالجنابِ النبويِّ أو التوسلَ بمحبتهِ بدعوى التوحيد؛ فالتوحيدُ الصافي لا يكتملُ إلا بتعظيمِ من عظَّمهُ الله.
التَّخليَةُ قَبلَ التَّحليَةِ.. سِرُّ التَّجردِ في قِصَّةِ مُصعَب
ومن أعظمِ مقاماتِ السلوكِ مقامُ "التخليةِ"؛ أي إخلاءُ القلبِ من حظوظِ الدنيا وشهواتها، ليتسعَ لـ "التحليةِ" بأنوارِ المعرفةِ. انظر إلى الفتى المدللِ سيدنا مصعبِ بنِ عميرٍ رضي الله عنه⁽⁶⁾؛ كيف كان أزهرَ شبابِ مكةَ وأطيبهم ريحاً، فلما لامسَ حُبُّ النبيِّ ﷺ شِغافَ قلبهِ، ارتقى من سجنِ "النفسِ الأمارةِ" بالشهوات، إلى أفقِ "النفسِ اللوامةِ"، ثم استقرَّ في رحابِ "النفسِ المطمئنةِ".
لقد أدركتْ أمُّهُ هذا التغيرَ الجذريَّ فقالت: "إنَّ عُميراً صغيرَنا الحبيبَ لابدَّ وأنهُ قد أَحَبَّ". نعم يا ولدي، لقد أحبَّ وتجردَ، "خَلَعَ العِذار" كما يقولُ أهلُ السلوكِ، وتركَ الأوزارَ، وغرقَ في بحارِ الأنوار. إن محبةَ الصالحينَ والأنبياءِ ليستْ بدعةً كما يزعمُ الجافونَ، بل هي الترياقُ المُجرَّبُ لعلاجِ التعلقِ بالدنيا. وكما قال العارفون: "أهونُ عليكَ يا فتى لو أنَّ مَن تُريدُها تقيمُ في القمرِ.. لأجابَ عليكَ قبلَ لمحةِ البصرِ"⁽⁷⁾. المحبةُ الصادقةُ تُهونُ المشاقَّ وتطوي مسافاتِ السلوكِ إلى الله.
مَقامُ الفَناءِ في الحَقِّ.. "مُوتوا قَبلَ أن تَموتوا"
ونرتقي يا ولدي إلى مقامٍ سلوكيٍّ دقيقٍ، طالما أُسيءَ فهمهُ، وهو مقامُ "الفناءِ" وإماتةِ حظوظِ النفس. في غزوةِ أُحُدٍ، أرسلَ النبيُّ ﷺ من يتفقدُ سيدنا سعدَ بنَ الربيعِ رضي الله عنه، فقال له: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يسألُكَ: أأنتَ في الأحياءِ أم في الأمواتِ؟»⁽⁸⁾. فأجابَ سعدٌ، وقد نزفَ دمهُ وتطهرتْ روحهُ: "أنا في الأمواتِ".
هذه الكلمةُ يا ولدي ليست مجردَ وصفٍ لحالتهِ الجسديةِ، بل هي تطبيقٌ عمليٌّ لقاعدةِ السلوكِ العظمى التي نادى بها العارفون: "موتوا قبلَ أن تموتوا؛ فإنَّ مَن ماتَ رأى الحقَّ، ومن لم يمُتْ لا يحظى منها بنظرةٍ"⁽⁹⁾. الموتُ هنا هو قمعُ الكبرياءِ، وذبحُ الرياءِ بسكينِ الإخلاصِ، وقتلُ حبِّ الظهورِ الذي يقصمُ الظهورَ. من لم تُمتْ نفسهُ عن الشهواتِ لم تحيَ روحهُ بالمشاهدات. ولذلك ختمَ سعدٌ حياتهُ بوصيةٍ تربويةٍ للأمةِ: "لا خيرَ فيكم وفيكم عينٌ تطرِفُ، إن يُخلَصَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ"⁽¹⁰⁾. مُعلِّماً إيانا أنَّ أسمى درجاتِ السلوكِ هي الغيرةُ على دينِ اللهِ والذودُ عن حياضِ سُنةِ رسولهِ.
مَقامُ الصِّدقِ واليَقينِ.. هِمَّةٌ تُعانقُ السَّماء
ومن أمراضِ القلوبِ يا ولدي "الغفلةُ واليأسُ والتعللُ بالأعذار". وعلاجها يتجلى في مقامِ "الصدقِ وعلوِّ الهمةِ"، كما نرى في سيدنا عمرو بنِ الجموحِ رضي الله عنه⁽¹¹⁾. كان شيخاً أعرجَ، قد أسقطتْ عنهُ الشريعةُ فرضَ الجهادِ، ولكنهُ لم يرضَ لنفسهِ بالرُّخصِ الظاهرةِ، بل تاقتْ روحهُ للعزائمِ الباطنةِ. جاء يشكو للنبيِّ ﷺ شوقهُ للشهادةِ، فقال الحبيبُ ﷺ: «إنَّ عُذرَهُ يمنعُهُ، ولكن لا تحرموهُ الشهادةَ»⁽¹²⁾.
لقد استعملَ عمرو بنُ الجموحِ دواءَ "الصدقِ" فشفى بهِ عرجَ جسدهِ! ولما استشهدَ قال النبيُّ ﷺ: «إني واللهِ أراهُ الآنَ يطأُ بعرجتِهِ الجنةَ»⁽¹³⁾. اعلم يا ولدي أن السالكينَ إلى اللهِ لا يطيرونَ بأجنحةٍ من ريشٍ، بل يطيرونَ بصدقِ النياتِ، وعزائمِ القلوب. فمتى صدقتَ في طلبِ التزكيةِ، جبرَ اللهُ كسركَ، وأقالَ عثرتكَ، وجعلكَ من الواصلين.
سَكرَةُ المَحَبَّةِ ولَذَّةُ الخِطابِ الإلهيِّ
ونصلُ يا ولدي إلى ذروةِ سنامِ السلوكِ، وقرةِ عينِ العارفين؛ مقامِ "المشاهدةِ ولذةِ الخطاب". حينما استشهدَ سيدنا عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ رضي الله عنه، بُقرتْ بطنهُ وجُدعَ أنفهُ، فلما سألَ جابرٌ رضي الله عنه عن حالِ أبيه، أجابهُ النبيُّ ﷺ مبشراً: «إنَّ اللهَ لم يُكلِّمْ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللهَ كلَّمَ أباكَ كفاحاً»⁽¹⁴⁾. قال له الجليلُ سبحانه: «تَمَنَّ عَلَيَّ يا عَبدي. فقال: يا ربِّ، أُريدُ أن أعودَ إلى الدُّنيا فأُقتلَ فيكَ ثانيةً»⁽¹⁵⁾.
تأملْ يا ولدي في هذا التجلي! لماذا طلبَ العودةَ؟ هل اشتاقَ للدنيا؟ لا والله، بل اشتاقَ لأنْ يسمعَ نداءَ «تَمَنَّ عَلَيَّ يا عَبدي» مرةً أخرى! لقد غلبتهُ "سكرةُ المحبةِ" وذابَ في جمالِ المتكلمِ. وهذا هو المعنى الذي عناهُ سيدي الإمامُ أبو يزيدَ البَسطاميِّ (ت: ٢٦١ هـ، سلطانُ العارفينَ وإمامُ المحققين)⁽¹⁶⁾، في شطحتهِ البليغةِ حين قال: "لئن ناداني يومَ القيامةِ: يا أبا اليزيدِ، سأسكرُ منها سكرةً تُغيبني عن يومِ الوعيدِ. واللهِ لئن أدخلني بعدها النارَ، لن أشعرَ لها جحيماً، ولئن أدخلني الجنةَ، لن أشعرَ لها نعيماً"⁽¹⁷⁾.
إن هذه المعاني الذوقيةَ ليستْ خروجاً عن الشريعةِ، بل هي غايةُ ما يُثمرهُ غرسُ الشريعةِ في قلبِ المؤمنِ الصادق. فالمحبونَ لا يعبدون اللهَ طمعاً في حورٍ أو قصورٍ، بل يعبدونهُ لأنهُ أهلٌ للعبادةِ، ولذةُ نظرهم إلى وجههِ الكريمِ هي جنتهُم الحقيقيةُ. فاجتهد يا ولدي في تزكيةِ نفسكَ بالذكرِ والمجاهدةِ والصحبةِ الصالحةِ، لعلَّ اللهَ أن يحيطكَ بأنوارِ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾⁽¹⁸⁾؛ يُرزقونَ فواكهَ المؤانسةِ، وكواشفَ الجلالِ، في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (رجل ليس نبيا كلمه الله كفاحا من غير حجاب: نسمات روحانية من غزوة أحد)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (أنوار العقيدة في ميادين السيرة: تصحيح مفاهيم التوحيد ومقامات اليقين من غزوة أحد)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب وأسرار الشريعة في السيرة النبوية: استنباطات فقهية من غزوة أحد)الشريعة
