فقه القلوب وأسرار الشريعة في السيرة النبوية: استنباطات فقهية من غزوة أحد
في رِحابِ المدينةِ.. حيثُ تلتقي ظواهرُ الشَّريعةِ ببواطنِ الفِقهِ
"دارُ الحبيبِ أحقُّ أن تهواها، وتحنَّ من شوقٍ إلى رؤياها. دارٌ بها نزلَ الكتابُ مفصَّلاً، يُتلى على خيرِ البريَّةِ طه. دارٌ بها جبريلُ يمشي راجلاً، شَرُفَت بهِ الغبراءُ إذ وافاها"⁽¹⁾.
هلمَّ بنا يا ولدي في هذه الدقائقِ المعدوداتِ لنغوصَ في بحارِ السيرةِ النبويةِ المطهرةِ، لا لنقرأها قراءةَ المؤرخين فحسب، بل لنستخرجَ منها لآلئَ "الفقهِ" وأحكامَ الشريعةِ الممزوجةِ بفقهِ القلوبِ. فالسيرةُ النبويةُ مليئةٌ بمواقفِ "الكمالِ" ومواقفِ "الأكملِ"، والتفريقُ بينهما هو من أَدقِّ أبوابِ الفقهِ والأولوياتِ.
تأملْ معي يا ولدي في واقعةِ الإفكِ، حينما برَّأَ اللهُ أُمَّ المؤمنينَ السيدةَ عائشةَ رضي اللهُ عنها. دخلَ عليها النبيُّ ﷺ يبشرُها بنزولِ الوحيِ ببراءتِها، فقال لها الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه، مُوجِّهاً إياها لفقهِ الأدبِ: "اشكري رسولَ الله". ولكنها أجابتْ من فورِها بردٍّ يُعبِّرُ عن شهودِ المُسَبِّبِ: "لا، بل أشكرُ الله"⁽²⁾.
وهنا يتدخلُ الإمامُ، تاجُ الدِّينِ العارفُ باللهِ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ⁽³⁾، ليضعَ لنا ميزاناً فقهياً دقيقاً قائلاً: إنَّ صنيعَ السيدةِ عائشةَ وقولَها كانَ هو "الكمالَ"، بيدَ أنَّ رأيَ الصِّدِّيقِ أبي بكرٍ في توجيهها لشكرِ النبيِّ كان هو "الأكملَ". وكيف لا يا ولدي، والقاعدةُ الفقهيةُ الشرعيةُ المنصوصُ عليها صراحةً في هديِ المُصطفى تُقررُ: «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ» وفي روايةٍ: «لم يشكرني من لم يشكر من أجريتُ النعمةَ على يديه»⁽⁴⁾.
وهنا نضعُ "تدبيراً احترازياً" حمايةً لفهمكَ يا ولدي؛ قد يظنُّ ظانٌّ أنَّ توجيهَ أبي بكرٍ فيه صرفٌ للشكرِ لغيرِ الله، وهذا فهمٌ سقيمٌ. فالفقهُ الصحيحُ يُقررُ أنَّ شكرَ المخلوقِ الذي جعلهُ اللهُ سبباً للنعمةِ هو من صميمِ شكرِ الخالقِ وامتثالٍ لأمرهِ. فاللهُ هو المُعطي على الحقيقةِ، والنبيُّ ﷺ هو الواسطةُ العُظمى والنعمةُ المُهداةُ. ومن تجاوزَ الواسطةَ جاحداً فضلها، فقد خالفَ الفقهَ والأدبَ معاً. ولهذا قال العارفون: "وقدِّم إماماً كنتَ يوماً إمامَهُ.. وصلِّ صلاةَ الفجرِ في أولِ العصرِ. فهذه صلاةُ العارفينَ باللهِ يا فتى.. إن كنتَ منهُم فانضحِ البَرَّ بالبحرِ"⁽⁵⁾.
فقهُ الأولويَّاتِ التَّشريعيَّةِ.. لِمَاذا الشَّهادَةُ قَبلَ الصَّلاة؟
ولك أن تسألَ يا ولدي بعينِ الفقيهِ المُتأملِ: لقد بُنيَ الإسلامُ على خمسةِ أركانٍ، فلماذا قدَّمَ المُشرِّعُ سبحانه وتعالى شهادةَ "أنَّ محمداً رسولُ اللهِ" وجعلها شطراً للتوحيدِ "لا إله إلا الله"، قبلَ الأمرِ بإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيت؟
إنَّ الفقهَ هُنا فقهٌ ترتيبِيٌّ؛ فالعبدُ بعد أن يُقرَّ للهِ بالتوحيدِ، لا يصحُّ لهُ أن يشرعَ في أيِّ عبادةٍ من صلاةٍ أو غيرِها إلا من الطريقِ الذي رسمهُ اللهُ، وهو طريقُ المتابعةِ للنبيِّ محمدٍ ﷺ. لا تُقبلُ صلاةٌ ولا عبادةٌ إلا إذا كانت وفقَ الهديِ المحمديِّ، فكان فقهُ التقديمِ هُنا إشارةً إلى أنَّ صِحةَ العباداتِ كلِّها موقوفةٌ على الإيمانِ بالرسالةِ وتوقيرِ صاحبِها. إن التطاولَ على السُّنةِ النبويةِ والتقليلَ من شأنِ الشفيعِ المُشفَّعِ هو هدمٌ لهذا الأصلِ الفقهيِّ المتين.
فِقهُ الجِهادِ وأَحكامُ أصحابِ الأعذارِ في الشَّريعَة
دعنا ننتقلُ إلى ساحةِ غزوةِ أُحُدٍ، لنستخرجَ منها أحكاماً فقهيةً تتعلقُ بأصحابِ الأعذارِ. خُذْ على سبيلِ المثالِ موقفَ الصحابيِّ الجليلِ سيدنا عمرو بنِ الجموحِ رضي اللهُ عنه. هذا الرجلُ كان شيخاً طاعناً في السِّنِ، وفيهِ عَرَجٌ شديدٌ. وفي ميزانِ الفقهِ الظاهرِ، ووفقاً للقاعدةِ القرآنيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾⁽⁶⁾، فإنَّ الجِهادَ قد سقطَ عنهُ فرضُهُ، ولا إثمَ عليهِ إن تخلَّف.
ولذلك، تصرَّفَ أبناؤهُ وفقَ الفقهِ الظاهرِ، فمنعوهُ من الخروجِ قائلين: "إنكَ رجلٌ مسنٌّ، وقد عذركَ اللهُ". ولكنَّ عمرو بنَ الجموحِ كان ينظرُ بعينِ "فقهِ الحُبِّ والشوقِ"، فذهبَ يختصمهم إلى النبيِّ ﷺ مُطالباً برخصةٍ استثنائيةٍ للشهادةِ. فماذا كان الحُكمُ النبويُّ؟ قال ﷺ لأبنائهِ: «إنَّ عُذرَهُ يمنعُهُ، ولكن لا تحرموهُ الشهادةَ»⁽⁷⁾.
وهنا نقفُ وقفةً احترازيةً دقيقةً يا ولدي؛ الفقهُ يُقررُ أنَّ المريضَ والأعرجَ معذورانِ لا يجبُ عليهما القتالُ، ولا يجوزُ للمسلمِ أن يُلقيَ بنفسهِ في مُعتركٍ لا طاقةَ لهُ بهِ فيُهلكَ نفسَهُ بلا طائل. ولكنَّ الاستثناءَ الفقهيَّ هنا: أنَّ صاحبَ العذرِ إذا انطوى قلبُهُ على يقينٍ راسخٍ، وصدقِ نيةٍ، وطلبٍ للشهادةِ، وأصرَّ على الخروجِ طواعيةً لا فرضاً، فإنَّ الشريعةَ تُبيحُ لهُ ذلك متى أُذِنَ لهُ من وليِّ الأمرِ (وهو النبي ﷺ هنا). وقد ظهرتْ ثمرةُ هذا الصدقِ حين قال النبيُّ ﷺ بعد استشهادهِ: «إني واللهِ أراهُ الآنَ يطأُ بعرجتِهِ الجنةَ»⁽⁸⁾. لقد وسعتْ رحمةُ اللهِ وقبولهُ عرجةَ هذا المُحبِّ الصادقِ.
فِقهُ الأَخذِ بالأسبابِ والوفاءِ بالعُهودِ في المَعارِك
ومن ذاتِ الغزوةِ، نأخذُ درساً فقهياً عملياً في وجوبِ الأخذِ بالأسبابِ وإيفاءِ الشروطِ والعُهودِ. رفعَ النبيُّ ﷺ سيفاً في ساحةِ القتالِ وقال: «من يأخذُ هذا السيفَ بحقِّهِ؟»⁽⁹⁾. فقامَ سيدنا أبو دُجانةَ رضي الله عنه كفقيهٍ خبيرٍ يسألُ عن الشروطِ قبل الإقدامِ: "وما حقُّهُ يا رسولَ الله؟" فأجابهُ ﷺ مُشرِّعاً: «أن تُقاتلَ بهِ اليومَ حتى ينكسر».
تأمل يا ولدي هذا الفقهَ العسكريَّ؛ لماذا اشترطَ عليهِ أن يقاتلَ بهِ حتى ينكسرَ، ولم يقلْ له "حتى تُقتلَ" وتكونَ شهيداً؟ لأنَّ الفقهَ هُنا فقهُ نصرٍ وتمكينٍ لا فقهُ فناءٍ. إنَّ الذي يحملُ سيفاً من يدِ رسولِ اللهِ ﷺ فهو مؤيدٌ منصورٌ، ولن يُغلبَ بإذنِ اللهِ، فكان الشرطُ العمليُّ الماديُّ هو فناءُ الآلةِ (السيف) لا فناءُ الإنسانِ الذي يحملها بشرفِ الانتماءِ للنبيِّ. يعلمنا هذا الموقفُ أنَّ الأخذَ بالأسبابِ الماديةِ واستعمالَ القوةِ بضوابطها هو من صميمِ التوكلِ، ولا يُنافي اليقين. ولذا نقولُ في دعائنا مُستمدين الفتحَ: "اللهمَّ صلِّ على أحمدَ النورِ، المُؤيدِ المنصورِ"، فبذكرهِ ﷺ تتنزلُ الفتوحاتُ وتتحققُ الانتصارات.
فِقهُ النِّيَّاتِ في الشَّهادَةِ وبَذلِ المُهجَةِ لله
ونأتي إلى موقفٍ يُحيرُ العقولَ، ويحتاجُ إلى فقهٍ دقيقٍ لاستيعابهِ. إنه موقفُ سيدنا عبدِ اللهِ بنِ حَرامٍ رضي اللهُ عنه، الذي رفعَ يديهِ في جُنحِ الليلِ داعياً: "اللهمَّ إني أسألكَ غداً أن ألقاكَ، فتُبقرَ بطني، وتُجدعَ أنفي، وتُقطعَ أُذني، فألقاكَ شهيداً، فتسألني: ماذا فعلوا بكَ؟ فأقولُ: مِن أجلِكَ"⁽¹⁰⁾. وقد استجابَ اللهُ دعاءهُ كما تمنى.
وهنا تدبيرٌ احترازيٌّ فقهيٌّ صارمٌ يا ولدي: إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ تُحرمُ "المُثْلَةَ" (أي تشويهَ الجثثِ وقطعَ الأعضاءِ)، وتُحرمُ على الإنسانِ أن يُؤذيَ نفسهُ أو يدعو على نفسهِ بالبلاءِ في الأحوالِ العاديةِ. إذن، كيف نفهمُ دعاءَ هذا الصحابيِّ الجليل؟
الفقهُ هنا مُتعلقٌ بـ "مقامِ الإحسانِ" وذروةِ سنامِ الإسلامِ (الجهاد). عبدُ اللهِ بنُ حَرامٍ لم يُشوهْ نفسهُ، ولم يطلبِ المُثلةَ انتحاراً، بل كان يطلبُ أعلى مراتبِ الصدقِ في بذلِ المُهجةِ والجسدِ للهِ تعالى في ساحةِ قتالٍ مشروعٍ مع العدوِّ. كان يُريدُ أن يلقى اللهَ وقد استُنفِدَ كلُّ ذرةٍ في جسدهِ في سبيلِهِ، ليكونَ لهُ حُجةٌ يومَ القيامةِ. هذا من فقهِ النياتِ العاليةِ التي يُعاملُ اللهُ بها خواصَّ عبادِهِ، فأكرمهُ اللهُ بكرامةٍ لم ينلها غيرُهُ، إذ قال النبيُّ ﷺ لولدهِ جابر: «إنَّ اللهَ لم يُكلِّمْ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللهَ كلَّمَ أباكَ كفاحاً»⁽¹¹⁾. وأمره أن يتمنى، فتمنى العودةَ ليُقتلَ ثانيةً استلذاذاً بخطابِ اللهِ له.
فِقهُ الذَّبِّ عَنِ الجَنابِ النَّبويِّ.. وَصِيَّةٌ مُمتدَّة
ونختمُ بفقهٍ واجبٍ على كلِّ مسلمٍ إلى يومِ الدينِ، استنبطناهُ من وصيةِ سيدنا سعدِ بنِ الربيعِ رضي اللهُ عنه. حينما أرسلَ النبيُّ ﷺ يتفقدهُ في المعركةِ وقال له: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يسألُكَ: أأنتَ في الأحياءِ أم في الأمواتِ؟»⁽¹²⁾. أجابَ سعدٌ بفقهِ العارفينَ الذين أماتوا حظوظَ أنفسهم: "أنا في الأمواتِ". ثم وجهَ رسالةً فقهيةً تكليفيةً لأمتهِ من بعده، قال: "وأقرئ قومكَ مني السلامَ، وقل لهم: لا خيرَ فيكم وفيكم عينٌ تطرِفُ، إن يُخلَصَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ"⁽¹³⁾.
إنَّ هذا ليس مُجردَ كلامٍ عاطفيٍّ، بل هو تأسيسٌ لحكمٍ فقهيٍّ يُوجبُ على الأمةِ حمايةَ نبيِّها والدفاعَ عن سُنتِهِ، وشريعتهِ، ومقامهِ الشريفِ. لا تظنَّ يا ولدي أن انتقالَ النبيِّ ﷺ للرفيقِ الأعلى قد أسقطَ هذا الواجب. ولا تظن أن لفظة "الأنصار" مقصورة على أهل المدينة. بل واجبُ النصرةِ مُمتدٌّ؛ فمن أوتيَ فصاحةً فليذبَّ عنهُ بلسانهِ، ومن أوتيَ مالاً فبمالهِ، ومن أوتيَ شعراً فبشعرهِ. وكما نُنشدُ دائماً: "تَرَنَّمْ يا فتى وامدَحْ نبيَّنا.. ولا تسمعْ لعَذْلِ العاذلِينَا.. فإنَّ المادحينَ لهُمْ لواءٌ.. غداً يُسقَونَ من كوثَرِ نبيِّنَا"⁽¹⁴⁾. فكن يا ولدي من فقهاءِ المحبةِ، الذين يجمعون بين دقةِ الشريعةِ ورقةِ الحقيقةِ، ناصرين لنبيهم في كل آنٍ وحين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (رجل ليس نبيا كلمه الله كفاحا من غير حجاب: نسمات روحانية من غزوة أحد)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (أنوار العقيدة في ميادين السيرة: تصحيح مفاهيم التوحيد ومقامات اليقين من غزوة أحد)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الإحسان وأسرار السلوك: رحلة التزكية ومجاهدة النفس في ظلال السيرة النبوية)التزكية والتصوف
