بقلم: الشيخ جابر بغدادي
روشتة نبوية لعلاج النفس: دواء القلوب من مشكاة الصالحين
روشتة نبوية لعلاج النفس: دواء القلوب من مشكاة الصالحين
حيرة الروح أمام داء النفس
يا ولدي، لطالما وقفت الأرواح حائرةً أمام داء النفس المستحكم، تبحث بلهفة عن ترياقٍ يبرئ سقامها؛ فها نحن نؤدي الجمعات في بيوت الله، ثم نخرج لنتنازع ونتخاصم في أزقة الحياة! ونصوم نهار رمضان محتسبين، ثم نُصعِّد الخلافات ونرفع قضايا الخصومة على بعضنا البعض! فمن أين ينبع هذا التناقض المرير؟
إنما هو من دنس النفس يا بني؛ من كبرها المقيت، وغرورها الخادع، وانتصار الإنسان لذاته الفانية، ومحاولته البائسة لإثبات وجوده الموهوم على حساب غيره.
والحال أن ديننا الحنيف -يا عباد الله- ما هو إلا مدرسةٌ ربانيةٌ عظمى، تتطهر في رحابها النفوس، وتتحقق فيها معارج الكمال الإنساني.
ومضة من دروب الصالحين: دواء النفس
وفي مسالك العارفين تلوح لنا ومضات الهداية؛ فيُحكى عن قطب الزمان، الإمام الجنيد ⁽¹⁾ -طيب الله ثراه- أنه في ليلةٍ من الليالي الصافية، أَرَّقَهُ الوَجْدُ وهزت أشواقه نياط قلبه، فمضى يمشي في عتمة الليل متجهاً إلى المسجد.
وهناك، لاح له طيف رجلٍ غريبٍ منقطع، يجلس في زاويةٍ ويبكي بحرقةٍ وانكسار.
فدنا منه الإمام في رفقٍ وجلس إليه متلطفاً، وسأله: "ما شأنك وما يبكيك؟" فرفع الغريب طرفه وقال: "ومن أنت؟" فأجابه: "أنا الجنيد".
فتهلل وجه الرجل وقال متأثراً: "سبحان الله! لقد جئت قاصداً إياك، لأسألك في مسألةٍ تشغلني".
فقال له الإمام: "وما هي المسألة؟" قال الغريب بقلبٍ ملهوف: "متى تجد النفس دواءها؟"
فأجابه الإمام بكلمةٍ جامعةٍ مانعة: "تجد النفس دواءها إذا خالفت هواها".
يا بني، إن الترياق يكمن في كبح جماح هذه النفس المتمردة؛ فإذا راودتك في مضجعك تريد النوم والاستكانة، فقل لها بحزم: "انهضي وامتثلي بين يدي خالقك للصلاة".
وإذا نازعتك تريد التكبر والاستعلاء، فألجمها بالصمت المطبق.
وإذا وسوست لك باكتناز المال وحبسه، فجُد وأنفق في سبيل الله.
وإذا طالبتك بالانتقام والانتصار لحظوظها، فاقهرها بسماحة العفو والصفح.
أسرار الوضوء ومعراج السجود
واعلم يا ولدي أن ماء الوضوء ليس مجرد قطرات تغسل الأعضاء، بل هو نورٌ يطفئ نيران الغفلة وجنايات النفس وغلطاتها.
وأن السجود ليس انحناءة جسد، بل هو معراج يقرب الإنسان من ربه، وبلسمٌ يهون عليه مشاق الحياة وصعابها.
فهل تدرك حقاً معنى أن تسجد؟ إنه سقوطٌ اختياري من علياء كبرك وشموخك الزائف.
إن إحساسك الطاغي بوجودك الذاتي قد نسج حول قلبك حجاباً كثيفاً يصدك عن بارئك، وهو ذات الحجاب الذي أعمى بصيرتك فمنعك من مسامحة أخيك، وحجب عنك رحمة جارك.
ولتتأمل معي سر الاستغفار؛ فلماذا نردد متضرعين: "أستغفر الله العظيم"؟ لأن العفو والصفح شيمةٌ عزيزةٌ لا يقوى عليها ولا يعرف كيف يطبقها إلا العظماء، فكيف بالعظيم جل جلاله!
عزة النفس بين الوهم وحقيقة العبودية
قد يتحجج البعض منا متذرعاً بـ "عزة النفس" متوهماً إياها غروراً وتعالياً، ولكن عزة النفس الحقيقية، يا إخواني، هي محض الطاعة؛ أن نُعِزَّ أنفسنا فلا نعصي الله بها، ولا نتمرد على أمره خشية أن يرمينا الناس بالضعف قائلين: "إنهم ضعفاء!".
فأي ضعفٍ هذا؟ إن الله سبحانه وتعالى حين أراد أن يكللنا بتاج العزة الحقيقية، نادانا مفتقراً إيانا إليه قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ ⁽²⁾.
ولما كان التصدق بأحب الأشياء هو ذروة البر، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ⁽³⁾؛ أدرك العارفون أن أحب شيءٍ إلى الإنسان وأغلاه عليه هو كرامته وعرضه.
وقد تجلى هذا المعنى النوراني في أبهى صوره حين ندب سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ أصحابه للصدقة في غزوة تبوك، فمضى أحد الصحابة الكرام ⁽⁴⁾ يطوف في أرجاء بيته باحثاً عن درهم أو متاع يجود به، فلم يجد شيئاً يتبرع به.فرفع يديه في جنح الليل يناجي ربه بانكسار المفتقر: "اللهم إنك تعلم أني فقير كما ترى، ولا أجد ما أتصدق به، اللهم إني تصدقت بعرضي على كل من سبني، وعلى كل من آذاني، وعلى كل من شتمني".
ولما أسفر الصبح، وجد سيدنا النبي ﷺ جالساً بين أصحابه، فسأل: "من الذي تصدق بعرضه؟ لقد قبل الله صدقته في النفقات".
طهارة السريرة: مقام مخموم القلب
ولتكتمل لوحة الطهر والبهاء، تأمل ما روي عنه صلوات ربي وسلامه عليه حين أخبر عن أحب الخلق إلى الله قائلاً: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ».
فتعجب الصحابة وقالوا: "يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟" فأجابهم موضحاً كمال الطهارة الباطنة: «الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا حَسَدَ» ⁽⁵⁾.
فلا إثم يصر عليه، ولا بغي يفتري به على العباد متمنياً لهم الشر، ولا غل يعكر صفو سريرته، أي لا يوجد بينه وبين أحد كره أو حسد.
أنوار الصادقين ومفاتيح القبول
ونعود بك يا ولدي إلى الرجل الغريب في حضرة الإمام الجنيد؛ فبمجرد أن سمع دواء نفسه: "إذا خالفت هواها"، التفت يرد على نفسه ويخاطبها بلسان المعتبر: "أسمعتِ؟ لقد قلت لكِ هذا مراراً، فأبيتِ إلا أن تسمعيه وتذعني له من الجنيد!".
وهنا يكمن السر يا بني؛ فأحياناً قد تكون ملماً بالحكم الشرعي، وعارفاً بطريق الصواب، لكنك تفتقر إلى سماع الموعظة من فمٍ صادق؛ فتسري الكلمة منه مَسْرى النور، تغزو ظلمات قلبك، فتخر نفسك ساجدةً طائعة.
فلاحظ السر الكامن في قول العارفين: "مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّعْبِيرِ، حَسُنَتْ فِي أَسْمَاعِ النَّاسِ عِبَارَتُهُ" ⁽⁶⁾.
فإذا وجدت من نفسك استعصاءً، ولم تقوَ على العمل بما تعلم، فاعرضها على الصالحين، واغشَ مجالسهم، ودع روحك تستمع لأنفاسهم؛ فلعل قوة النور المنبثق من مشكاة صدق قلوبهم يقهر ظلمة نفسك، ويجعلها تطيع خالقها وتنقاد لأمره.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تجليات التوحيد في علاج النفس: عقيدة الافتقار ومحو وهم الوجود)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (معراج السالكين في دواء النفوس: من ظلمات الأنا إلى أنوار الإحسان)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (التأصيل العلمي والروحي لروشتة علاج النفس من مشكاة النبوة)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (التناقض بين العبادة الظاهرة وأمراض القلوب: كيف أعالج كبر نفسي؟)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (وهم "عزة النفس" يمنعني من العفو: كيف أصل لسلامة الصدر؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (أعرف الصواب ونفسي تعصيني: ما سر الانتفاع بالموعظة؟)الأسئلة
