Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

خطورة زلات اللسان والطعن في ورثة الأنبياء: رؤية عقدية للشيخ جابر بغدادي

مقال عقدي دقيق يستلهم توجيهات الدكتور جابر بغدادي حول خطورة الاستهزاء بحملة القرآن والعلماء، حيث يوضح أن الطعن فيهم مساس بجناب العقيدة والدين، مبينًا عقيدة أهل السنة والجماعة في حفظ مقامات الصحابة ومحبة آل البيت، محذرًا من خطر الكلمة التي تهوي بصاحبها في المهالك.

إن من أصول الاعتقاد السليم التي ينبغي أن يرسخها المسلم في قلبه، هو تعظيم شعائر الله وتوقير حملة شريعته من العلماء الربانيين وأولياء الله الصالحين.
وفي هذا السياق الدقيق، يطرح الدكتور جابر بغدادي إضاءة عقدية بالغة الأهمية تحذر من التساهل في إطلاق اللسان بالسوء على رموز الدين وأعلامه.

عقيدة توقير ورثة الأنبياء وحفظ مقاماتهم

لقد أرسى أئمة السلف الصالح قاعدة ذهبية في التزكية وحفظ القلب من أمراضه المهلكة، وتتجلى هذه القاعدة في المقولة المأثورة: "لحوم العلماء مسمومة" ⁽¹⁾.
ويوضح الدكتور جابر بغدادي أن المعنى المراد من (شمها) هو مجرد إساءة الظن بهم؛ فسوء الظن وحده كفيل بأن يورث القلب مرضاً وحجاباً عن أنوار الهداية.
والمقام هنا لا يعني إضفاء العصمة على البشر، بل هو صيانة لمقام العلم الذي يحملونه؛ فإن لم يصبك من الطعن في أولياء الله وورثة أنبيائه ضرر ظاهر، فيكفيك خسراناً وحرماناً أن تُحجب عن بركة محبتهم، وأن تُسلب التوفيق في مدارج السالكين.

الاستهزاء بحملة الدين خوض في حمى العقيدة

ولبيان خطورة هذا الأمر وارتباطه الوثيق بأصل الإيمان، يستدعي الدكتور جابر بغدادي حادثة عظيمة وقعت في عهد النبوة؛ حيث يروي سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ⁽²⁾ واقعة خطيرة حدثت أثناء غزوة تبوك.
فقد تجرأ أحد الرجال في مجلس من المجالس على إطلاق لسانه بالاستهزاء والسخرية من حفظة كتاب الله، قائلاً: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، يأكلون ولا يشبعون، ويتكلمون فيكذبون، وعند اللقاء يجبنون".
فلما بلغ هذا القول الشنيع رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتفضت غيرته على دينه وقال: "والله لأبلغن بما قلت رسول الله صلى الله عليه وسلم".

إن هذا الموقف لا يعكس مجرد خلاف شخصي عابر، بل يمثل تصادماً مباشراً مع ثوابت العقيدة؛ فالاستهزاء بحملة القرآن وأولياء الله هو طعن في الديانة ذاتها، وخوض في حمى الشريعة.

حكم المستهزئ بالدين وموقف الوحي الحاسم

انطلق الصحابي الغيور إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغه بما جرى، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً لحرمة الدين.
وعلى الفور، تنزل الوحي الإلهي ليضع حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر، وليحسم قضية التهاون في إطلاق اللسان بالباطل، حتى وإن ادعى صاحبه أنه يمزح ويلهو.
نزل قول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ⁽³⁾.

يصف سيدنا عبد الله بن عمر المشهد المهيب قائلاً: ولقد رأيت الرجل متعلقاً بنسع ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يمشي ويقول معتذرًا بأنه لم يكن يقصد حقيقة ما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إليه ولا يقبل منه عذراً، بل يكرر عليه حكم السماء الصارم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.

وهنا يطرح الدكتور جابر بغدادي تساؤلاً عقدياً دقيقاً لتنبيه الأذهان وتصحيح المفاهيم: هل خاض هذا الرجل في الذات الإلهية أو سب آيات الله والرسول بشكل مباشر في مجلسه؟ ويجيب إجابة حاسمة تبين مكمن الخطر: لا، ولكنه سخر من حملة القرآن وأهل العلم، فجعلهم الله بمنزلة المساس بجنابه الأقدس.
فالعلماء وحملة القرآن محسوبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الملحقون بشرف الانتساب للقرآن.
وهذا تنبيه قاطع بأن السخرية من أهل الفضل والعلماء والأولياء وجناب أهل البيت والصحابة ليست من صغائر الأمور، بل هي خطر عظيم يمس أصل الإيمان.

الكلمة في ميزان الشرع خطر يورد المهالك

يُحذر الدكتور جابر من الاستهانة بخطورة الكلمة؛ فالكلمة التي ينطق بها الإنسان سخريةً أو طعناً تشبه الطائر الذي يخرج من شرنقته أو إبرته، فلا يمكنك إعادته أبداً.
إن الكلمة السيئة تولد صغيرة ثم تتعاظم وتكبر حتى يعجز الإنسان عن تدارك ذنبها وتبعاتها يوم القيامة.
ويستشهد في ذلك بما جاء في الهدي النبوي الشريف: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يدري لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً» ⁽⁴⁾.
فاللسان قد يكون سببًا في إهلاك العبد وتدمير إيمانه بالكلية إذا لم يُلجم بلجام التقوى.

عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وآل البيت

في ختام هذا التوجيه العقدي، يُرسخ الدكتور جابر بغدادي قاعدة محورية في معتقد أهل السنة والجماعة، ألا وهي المحبة الخالصة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولآل بيته الأطهار.
فقد ورد في الحديث الشريف التحذير الشديد من النيل منهم: «من سب أصحابي عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ⁽⁵⁾.
ولذلك كان أدب النبي صلى الله عليه وسلم واضحاً لأمته: «إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا» ⁽⁶⁾.

ويترجم الدكتور جابر هذا الاعتقاد الصافي بأبيات شعرية بليغة ⁽⁷⁾ تُجسد هذا التوازن الدقيق في الاعتقاد قائلاً:
"إني أحب أبا حفص وشيعته...كذا أحب عتيقاً صاحب الغارِ
وقد رضيت علياً قدوة علماً...وما رضيت بقتل الشيخ في الدارِ
كل الصحابة ساداتي ومعتقدي...وما عليَّ في هذا القول من عارِ"

فالعقيدة الصحيحة تُبنى على الجمع لا التفريق؛ فنحن نحب آل بيت رسول الله ونتعلم حبهم من هدي الصحابة الكرام، ونقيم السنة النبوية المطهرة كما أقامها ونقلها لنا الصحابة، وفي ذات الوقت نسكن آمنين في سفينة النجاة؛ سفينة آل البيت عليهم السلام.
إنه حب يجمع شتات القلوب ولا يفرقها، وعقيدة تحفظ مقامات الرجال وتصون اللسان عن الزلل المؤدي إلى الهلكة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة