Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

خطورة زلات اللسان وحرمة أولياء الرحمن: مرقاة السالكين في حفظ الأدب مع ورثة سيد المرسلين

مقال سلوكي عميق مستنبط من توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي، يكشف أسرار حفظ اللسان عن الخوض في لحوم العلماء والأولياء والصحابة. تعلم كيف تترقى في مراتب التزكية وتنجو من آفات القلوب عبر الالتزام بالأدب النبوي، لتحيى بقلب سليم يجمع ولا يفرق في دروب السلوك إلى الله.

يا ولدي، اعلم أن طريق القوم مبني على الكتاب والسنة، وأن منهج التصوف السني المعتمد، كما قرره سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، مقيد بالأصول الشرعية الثابتة، فاحذر أن تزل قدمك؛ إذ القاعدة الذهبية التي لا نقبل فيها جدالا هي: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
ومن أعظم ما يُبتلى به السالك في زماننا غفلة اللسان، وتسليطه على ورثة الأنبياء، وقد حذرنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي من هذا المنزلق الخطير، منبها إيانا إلى مقولة العارفين: "لحوم العلماء مسمومة، شمها يمرض، وأكلها يقتل"⁽¹⁾.

يا ولدي، إن المعنى الدقيق لقولهم عن هذه اللحوم المسمومة إن شمها يمرض؛ هو مجرد إساءة الظن بهم وإضمار السوء في الصدر، وهذا وحده يورث القلب مرضا عضالا، والمرض في حق الأولياء هو "الحجاب" الذي يقطعك عن أنوارهم، فلو لم يصبك من شؤم سوء الظن إلا أن تُحرم بركة محبتهم لكفى به خسرانا مبينا، فكيف بمن تجرأ على أكل لحومهم بالغيبة والبهتان والخوض في أعراضهم؟

ولكي تترقى يا بني من مقام "النفس الأمارة بالسوء" المفتونة بحب الظهور والعجب والتطاول، إلى رحاب "النفس المطمئنة"، عليك بمجاهدة اللسان.
تأمل ما أورده الدكتور جابر مستلهما من حادثة غزوة تبوك، حين روى لنا سيدنا عبد الله بن عمر (ت: 73 هـ، الإمام القدوة وشيخ الشباب من الصحابة)، أن رجلا في المجلس أطلق لسانه بالهزل والمزاح قائلا عن الصحابة القراء: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، يأكلون ولا يشبعون، ويتكلمون فيكذبون، وعند اللقاء يجبنون".
فغار أحد أصحاب رسول الله على مقامات الرجال، ونقل الأمر إلى سيدنا ومولانا رسول الله .

غضب النبي غضبا شديدا، فنزل الوحي القرآني من فوره يحسم الأمر، ويؤدب كل من تسول له نفسه المساس بحمى الأولياء والصحابة، قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾⁽²⁾.

يا ولدي، لقد دافع الوحي عنهم ورد اعتبارهم لأنهم ملحقون بجناب النبي وموصولون بنوره، فهم حملة القرآن وحراس الشريعة، والطعن فيهم هو طعن في جناب من أرسلهم.
وقد كان الرجل يتعلق بفرس النبي يعتذر ويقول إنه كان يمزح ولم يقصد الإساءة، ورسول الله لا يقبل عذره ويكرر عليه الآية.
فاحذر أن تستهين بحرمة العلماء والأولياء وأهل البيت بحجة الهزل أو النقد الجاف، فهؤلاء هم أهل "مقام الإحسان"، وساداتنا الذين اصطفاهم الله، والمساس بهم يفسد طريق التزكية من أساسه.

واعلم يا بني أن الكلمة الخبيثة، كما يصورها الدكتور جابر بغدادي في بيان بليغ، أشبه بالطير الذي يخرج من ثقب الإبرة؛ فبمجرد خروجه وتحليقه لا طاقة لك برده أو إدخاله فيها مجددا.
إنها تولد صغيرة من فلتات اللسان ثم تتضخم حتى يعجز المرء عن تدارك وزرها، وقد صدق الصادق المصدوق حين حذرنا من الغفلة قائلا: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يدري لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفا»⁽³⁾.

لذا، وجب عليك يا ولدي حفظ مقام الصحابة والأولياء، وعلاج قلبك من الكبر والرياء بلزوم الذكر ومراقبة النفس.
فمقام الإحسان يقتضي توقير من عظمهم الله.
ألم يقل النبي تأصيلا لهذا الأدب: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»⁽⁴⁾؟ وألم يوجهنا لأدب السلوك بقوله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا»⁽⁵⁾؟

نحن في طريقنا هذا، طريق أهل السنة والتصوف المعتمد، نقيم السنة كما أقامها الصحابة الكرام، ونسكن آمنين في سفينة النجاة، سفينة أهل البيت الأطهار.
فالحب في هذا الطريق يجمع ولا يفرق، وكما أنشد العارفون في حب الصحابة أجمعين:
"إني أحب أبا حفص وشيعته
كذا أحب عتيقاً صاحب الغار
وقد رضيت علياً قدوة علماً
ما رضيت بقتل الشيخ في الدار
كل الصحابة ساداتي ومعتقدي
وما علي في هذا القول من عار"⁽⁶⁾.

فالزم يا ولدي الأدب، وطهر قلبك من أمراض الغفلة، واجعل لسانك رطبا بذكر الله، موقرا لأهل الله، تبلغ منازل السعداء، وتذق حلاوة القرب في مقام الرضا والتوكل.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.