كيف تبدأ صفحة جديدة مع الله في شهر رمضان؟
اعلم يا ولدي أن فقه الصيام في شريعتنا الغراء لا يقف عند الرسوم الظاهرة، ولا ينحصر في كونه محض مسغبة وجوع، بل هو في جوهره ومكنون سره، شهرٌ للرجوع والأوبة إلى الله جل في علاه. وحريٌّ بنا في ظلال هذه النفحات القدسية أن نتعلم فقه السير إلى بارئنا؛ فإذا كان الصيام في حقيقته الفقهية يمنحك "حرية من المباح" بترك الطعام والشراب الحلال تلبية لأمر الله، فواعجباً لمن أُعتق من أسر المباحات، كيف يقف مكبلاً عاجزاً عن التحرر من دنس المحرمات؟ هذا هو الفقه الأكبر؛ أن تقودك طاعة الإمساك عن الحلال إلى قوة الامتناع عن الحرام. إن الصيام يا بني ليس مجرد تكليف شاق، بل هو رياضةٌ شرعية، وترويضٌ عملي لخيل النفس الجامحة حتى تستوي على مقام "المراقبة". إنه النسمة الربانية التي تبعث الحياة في رميم الضمير الإنساني الذي مات في زحام الغفلات. وتأمل معي هذا الإسقاط الفقهي البديع على فقه المعاملات؛ خذ مثلاً آفة الغش في الموازين، حين تهمس النفس الأمارة بالسوء في أذن صاحبها متسائلة في غفلة: "أثمة من يراك؟ فطفف الكيل وغش كما تشتهي"، هاهنا ينتفض الضمير المؤمن الحي من مرقده ليصدح بحقيقة الفقه الباطني: "معاذ الله، إننا صائمون". وهذا المعنى العميق هو مصداق الحديث القدسي الجليل المروي (في صحيح البخاري)⁽¹⁾: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ ذلك لأن الصيام في ميزان الفقه الروحي "عبادةٌ جوفية"، وسرٌّ مصون بين العبد وخالقه، يتسامى عن كل شائبةٍ للرياء الذي قد يخالط بقية الأعمال الظاهرة. وما المراقبة يا ولدي إلا أن تُرد للضمير روحه ونبضه، أن تقف شامخاً بيقينك هاتفاً: "أنا صائم، فإذن أنا حر". إن الصيام مدرسةٌ فقهية تلقننا أبجدية التحرر من رق الأشياء، وتهذبك لترتقي في معارج العبودية لله وحده، فلا تستعبدك شهوة، ولا يسترقك مال، ولا يأسرك درهم؛ إذ أنك لن تبلغ ذروة العبودية الخالصة للحق، ولن تكون عبداً حقاً لله، حتى تغدو حراً طليقاً من كل ما سواه. وهنا نقف أمام سرٍ فقهي وعقدي عظيم؛ قد يهفو قلبك متسائلاً في دهشة المحب الذي يستلهم أسرار العطاء الإلهي عن السر المكنون في قوله تعالى «وأنا أجزي به»؛ والسر يا ولدي يكمن في أن الحق تبارك وتعالى لم يجعل للصيام حداً معلوماً من الحسنات كبقية الطاعات، فأنت حين تُمسك عن المفطرات، يغيب عنك مقدار ثواب يومك في ميزان الله. لقد طوى الله علم هذا الأجر حتى عن الملائكة الكرام، وأصدر إليهم أمره الجليل: "اكتبوا صومه، وأنا وحدي من يتولى جزاءه". ولتحذر يا بني أن تفهم من هذا العطاء الواسع إبطالاً لقيمة العمل أو دعوة للجبرية المقيتة؛ فالله جل وعلا جعل صيامك المخلص المشفوع بالنية محلاً لاستقبال فضله. أنت تعمل وتجتهد، ولكنك لا تعتمد على عملك القاصر، بل ترجو فضل الله. تخيل يا بني حين يكون الديان هو من يوفي لك المكيال، ويُرجّح لك الميزان، ويغمرك بالإحسان في اللحظة التي أتقنت فيها عبادته واستشعرت وجوده؛ فإنه بلا ريب سيسبغ عليك من إحسانه على قدر جوده الذي لا يُحد. لن يتجلى عليك بمقدار عملك، بل سيفيض عليك على قدر عظمته، وسعة كرمه، وجزالة عطيته التي تقف العقول دونها حيرى. وقد ألمح سادتنا العارفون وأئمة الفقه والتزكية، وفي طليعتهم حجة الإسلام الإمام الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) (مجدد علوم الدين)⁽²⁾، إلى أن الصوم نفحةٌ من نفحات الصبر، بل هو عين الصبر. وقد وعد الله أهل الصبر بدخول الجنان، ولكن بأي ميزان؟ بميزان الوفاء الرباني الذي نطق به التنزيل الحكيم (في سورة الزمر)⁽³⁾: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فالمكاييل والموازين تتلاشى في حضرة الصيام وتسقط أرقامها. وتأمل معي بديع البلاغة القرآنية والفقه الاستنباطي؛ فالحق سبحانه لم يقل في حق الصابرين "يُعطى"، بل اختار لفظ ﴿يُوَفَّى﴾. والوفاء هنا يومئ إيماءةً لطيفةً علويةً إلى أن الله سيهبك ما تستحقه، ويفيض عليك بأضعاف ما ترتجي. ولماذا ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يا ولدي؟ السر يتجلى في أنك حين صمت رمضان، طرقت بابك البشرى المحمدية النورانية (في صحيح البخاري)⁽⁴⁾: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب». فهل حددت لك الشريعة الغراء آنذاك كم حسنة ستجني؟ كلا، بل ساقت إليك البشارة الأكبر والجزاء الأعظم؛ وهو أن كل ما سلف من الخطايا والزلات سيموت ويُمحى تماماً في ظلال هذا الصيام المبارك.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف تبدأ صفحة جديدة مع الله في شهر رمضان؟)المقالات
وقت القراءة 7 دقائق
