Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/توثيق وتحقيق معاني الصيام والتحرر في مدرسة التصوف السني

توثيق وتحقيق معاني الصيام والتحرر في مدرسة التصوف السني

4 استشهادات موثقةحديث قدسي متفق عليه (1)تأصيل صوفي سني (1)نص قرآني محكم (1)حديث نبوي صحيح (1)

تفريغ الكلمة المباركة

اعلم يا ولدي أن رمضان لم يُشرع يوماً ليكون محض مسغبةٍ وجوع، بل هو في جوهره ومكنون سِره شهرٌ للرجوع إلى الله جل في علاه. وحريٌّ بنا في ظلال هذه النفحات القدسية أن نتعلم كيف نؤوب إلى بارئنا؛ فالصيام في حقيقته تحررٌ من قيد المباح، فواعجباً لمن أُعتق من أسر المباحات كيف يقف مكبلاً عاجزاً عن التحرر من دنس المحرمات؟ إن الصيام يا بني رياضةٌ للروح، وترويضٌ لخيل النفس الجامحة حتى تستوي على «مقام المراقبة»، فهو النسمة التي تبعث الحياة في رميم الضمائر. وتأمل معي آفة التطفيف والغش في الموازين، حين تهمس النفس الأمارة بالسوء في أذن صاحبها متسائلة في غفلة: «أثمة من يراك؟ فطفف الكيل كما تشتهي»، هاهنا ينتفض الضمير المؤمن من مرقده ليصدح بالحق: «معاذ الله، إننا صائمون». وهذا مصداق الحديث القدسي الجليل⁽¹⁾: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ ذلك لأن الصيام عبادةٌ جوفية، وسرٌّ مصون بين العبد وخالقه، يتسامى عن كل شائبةٍ للرياء. وما المراقبة يا ولدي إلا أن تُرد للضمير روحه ونبضه، أن تقف شامخاً بيقينك هاتفاً: «أنا صائم، فإذن أنا حر». إن الصيام مدرسةٌ تلقننا أبجدية التحرر من رق الأشياء، وتهذبك لترتقي في معارج العبودية لله وحده، فلا تستعبدك شهوة، ولا يسترقك مال، ولا يأسرك درهم؛ إذ أنك لن تبلغ ذروة العبودية الخالصة للحق، حتى تغدو حراً طليقاً من كل ما سواه⁽²⁾. وقد يهفو قلبك متسائلاً في دهشة المحب الذي يستلهم أسرار العطاء الإلهي عن السر المكنون في قوله تعالى «وأنا أجزي به»؛ والسر يا ولدي يكمن في أن الحق تبارك وتعالى لم يجعل للصيام حداً معلوماً من الحسنات كبقية الطاعات، فأنت حين تُمسك عن المفطرات، يغيب عنك مقدار ثواب يومك في ميزان الله. لقد طوى الله علم هذا الأجر حتى عن الملائكة الكرام، وأصدر إليهم أمره الجليل: «اكتبوا صومه، وأنا وحدي من يتولى جزاءه». فيا لروعة المنحة وعظمة العطاء! تخيل يا بني حين يكون الديان هو من يوفي لك المكيال، ويُرجّح لك الميزان، ويغمرك بالإحسان في اللحظة التي أتقنت فيها عبادته واستشعرت وجوده؛ فإنه بلا ريب سيسبغ عليك من إحسانه على قدر جوده الذي لا يُحد. لن يتجلى عليك بمقدار عملك القاصر، بل سيفيض عليك من فيوضاته على قدر عظمته، وسعة كرمه، وجزالة عطيته التي تقف العقول دونها حيرى. وقد ألمح سادتنا العارفون إلى أن الصوم نفحةٌ من نفحات الصبر. وقد وعد الله أهل الصبر بدخول الجنان، ولكن بأي ميزان؟ بميزان الوفاء الرباني الذي نطق به التنزيل الحكيم⁽³⁾: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فالمكاييل والموازين تتلاشى في حضرة الصيام وتسقط أرقامها وحساباتها. وتأمل معي بديع البلاغة القرآنية؛ فالحق سبحانه لم يقل يُعطى، بل اختار لفظ «يُوَفَّى». والوفاء هنا يومئ إيماءةً لطيفةً علويةً إلى أن الله سيهبك ما تستحقه، ويفيض عليك بأضعاف ما ترتجي بغير حساب. وما السر في غياب الحساب يا ولدي؟ السر يتجلى في أنك حين صمت رمضان، طرقت بابك البشرى المحمدية النورانية⁽⁴⁾: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب». فهل حددت لك الشريعة الغراء آنذاك كم حسنة ستجني؟ كلا، بل ساقت إليك البشارة الكبرى؛ بأن ما سلف من الخطايا والزلات سيموت ويُمحى تماماً في ظلال هذا الصيام المبارك.

بيان التوثيق العلمي

1
حديث قدسي متفق عليه
حديث قدسي متفق عليه أخرجه الإمام البخاري الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، كتاب الصوم، باب فضل الصوم. ومتن الحديث كاملا: «كل عمل ابن آدم له، يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي». وهذا يثبت صحة استنباط الشيخ جابر بغدادي في بيان «مقام الإحسان» والمراقبة الباطنة في العبادات. والرد الاستباقي هنا ينسف منهج الجفاف الروحي للمتنطعين الذين يقفون عند ظواهر النصوص ويرفضون «القياس الوعظي» أو استنباط المعاني القلبية، متناسين أن النبي أقر الغوص في معاني الشريعة، وأن محاربة هذا العمق الروحي باسم الدفاع عن السنة ما هو إلا مسخ للدين وتفريغ للعبادات من جوهرها.
العودة إلى موضع القراءة
2
تأصيل صوفي سني
تأصيل صوفي سني مستمد من قواعد علم السلوك والتزكية كما قررها الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين وترجمان الواصلين) في حكمه، حيث بيّن مراتب العبودية والتحرر من رق الأغيار. وما طرحه الشيخ جابر بغدادي من ربط الصيام بالتحرر من الشهوات هو صميم الدين، وهو تأكيد على أن محبة الله ورسوله والتعلق بالمعاني القلبية هي الغاية. ويجب الحذر بشدة من التشكيك السلفي أو الوهابي الذي يحاول تقزيم مقامات الأولياء والأنبياء بحجة حماية التوحيد الموهومة. فقد أقر النبي المدح المباشر لشخصه الشريف كما في حديث الأسود بن سريع وإنشاد كعب بن زهير لقصيدته «بانت سعاد» في المسجد النبوي. وإن محاربة مدح النبي والإنكار على المحبين ليس له أي معنى سوى الحقد الدفين على النبي وبغضه، وأن محاربة هذا الحب ما هي إلا محاولة خبيثة لإسقاط الدين بالدين.
العودة إلى موضع القراءة
3
نص قرآني محكم
نص قرآني محكم في سورة الزمر، الآية رقم ١٠. وهي الأصل في بيان أن ثواب الصبر والصيام لا تحده الأرقام. وقد أبدع الشيخ جابر بغدادي في الربط بين عطاء الله المطلق وبين عبودية الصيام. وهذا الاستدلال الأكاديمي يلجم أصحاب الفهم الحرفي الأعمى الذين يقيسون فضل الله بمقاييس البشر المادية، وينكرون الفيوضات الربانية على أهل الله. إن الغوص في معاني التنزيل هو التفسير الإشاري المعتمد عند أئمة السلف كالإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، ورفض هذا المنهج ينم عن قسوة في القلب وانطماس في البصيرة، ولا يتعارض قط مع رواية «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» في إيراد القصص الروحية لترقيق القلوب.
العودة إلى موضع القراءة
4
حديث نبوي صحيح
حديث نبوي صحيح أخرجه الإمام البخاري الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان. ومتن الحديث كاملا: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب». وهذا الشرح من الشيخ جابر بغدادي يبرز سعة الفضل والمغفرة التي لا تحصرها أرقام الحسنات، ويدحض الشبهات التي تميل دائما إلى تيئيس العصاة والتشديد المقيت. وهذا الاستنباط الروحي العظيم يرسخ منهج الرجاء والمحبة المعتمد عند أهل السنة والجماعة، بعيدا عن التكلف والتنطع المذموم الذي يستهدف طمس معالم الطريق إلى الله.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.