Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

لماذا لا تزور الملائكة بيتك

يستخرج فضيلة الدكتور جابر بغدادي في هذا المقال الجليل أسرار العقيدة الإسلامية الصحيحة من حديث تنزل السكينة، موضحاً للمريدين عقيدة الإيمان بالغيب وكرامات الأولياء، وكيف ينفى المريد الشرك الخفي وتعلق القلب بالأغيار ليكون بيته ومحل نظره السبحاني مهبطاً لملائكة الرحمة، مع بيان التوازن العقدى بين الأخذ بالأسباب والتوكل اليقيني على كلام رب الأرباب.

الإيمان بالغيب: سر التلازم بين طهارة الظاهر وتنزّل الملكوت
يا ولدى، اعلم يقيناً أن أول مراتب الهدى وأسمى مقامات اليقين في عقيدة التوحيد الصافية، هو تجذير "الإيمان بالغيب" في قلب المؤمن؛ ذلك الغيب الذي لا تدركه أبصار الخلائق القاصرة، ولكن تشهده بصائر أهل الإحسان بنور الله تعالى.
إن الملائكة الكرام، تلك الذوات النورانية العلوية التي جبلها الخالق سبحان على الطاعة المحضة والتنزيه الدائم، لا تتنزل في عالم الشهادة إلا بقوانين إلهية صارمة تربط بين عالم الطين وعالم الملكوت؛ فليس نزول البركة والسكينة أمراً عشوائياً، بل هو استجابة ملكوتية لطهارة الوعاء الإنساني.
لقد أسس لنا المظلل بالغمامة، سيدنا ومولانا رسول الله ، قاعدة عقدية جليلة حين قال في الحديث الصحيح: «إِنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» ⁽¹⁾.
وإذا كان أهل الظاهر يقفون عند حدود الأحكام الفقهية المتعلقة بالبنيان والجدران، فإن أهل الله من ساداتنا العارفين يستخرجون من هذا الحديث لُباب العقيدة وسر التوحيد؛ فالبيت المادي إنما هو انعكاس لبيت القلب، وامتناع الملائكة عن دخول المكان النجس حسياً هو تنبيه إلهي بليغ على أن أنوار الهداية وإلهامات السكينة لا تغشى القلوب التي تدنست بالنجاسات المعنوية والشركيات الخفية.
إن عقيدتنا الراسخة تقرر أن الملك نور محض، ولا ينسجم النور الإلهي مع ظلمات المعاصي، فمن أراد استجلاب مدد السماء، وجب عليه تطهير مهبط ذلك المدد في أرضه ونفسه.
سر الكلب والصورة: التخلية من الشرك الخفي وتعلق القلب بالأغيار
تأمل معي يا ولدى بنور البصيرة الصافية، ولنتساءل متفكرين في أسرار التشريع: لماذا خص النبي "الصورة" و"الكلب" بالمنع والحرمان من تنزل الملائكة؟ إن الصورة في ذاتها جماد لا يضر ولا ينفع، والكلب مخلوق من جملة عيال الله في أرضه؛ فلماذا كان وجودهما مانعاً للسكينة؟ هنا ينجلي السر العقدي العميق الذي يستنبطه أهل العرفان؛ لقد بين السادة العلماء أن "الصورة" مُنعت لأنها تمثل في ميزان التوحيد رمزاً لـ (الغير)، وإشارة إلى (الأغيار)، وأما "الكلب" فقد مُنع لأنه يمثل بداية (النجاسة) ومجانبة الطهر.
يا ولدى، إن المقصد العقدي الأسمى من تحريم الصورة في بيت العبد هو حماية التوحيد من شوائب "الشرك الخفي"؛ فالصورة تشير إلى صرف الوجهة نحو غير الله تعالى، والتعلق بالأسباب والمخلوقات من دون مسببها الخالق جل جلاله.
إن القلب المخلوق ليكون عرشاً للتفريد ومحلاً لشهود المكون سبحانه، إذا انطبعت فيه صور الأكوان، وتعلق بالدرهم والدينار، وركن إلى الجاه والمناصب، فقد اتخذ في باطنه أصناماً خفية تزاحم التوحيد الخالص.
وقد نطق الإمام تاج الدين أبو الفضل ابن عطاء الله السكندري (ت : ٧٠٩ هـ) (ترجمان الأولياء وركن الطريقة الشاذلية) بهذا السر العقدي الخالد حين قال: "كَيْفَ يُشْرِقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأَكْوَانِ مُنْطَبِعَةٌ فِي مِرْآتِهِ؟" ⁽²⁾.
فكل ما يشير إلى الغيرية في بيتك وقلبك يمنع ملائكة الإلهام والرحمة؛ لأن الملكوت لا يتنزل على قلب أشرك بالله حباً وخوفاً ورجاءً في المخلوقين.
وأما النجاسة التي يمثلها الكلب في ميزان العقيدة والتزكية، فهي نجاسة كسب الحرام، وقطع الأرحام، وأكل الربا، والجرأة بالأبصار على محارم الله؛ فكلها قاذورات معنوية تناقض الإيمان الصادق بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وتحجب نور اليقين، فتفر منها ملائكة الطهر والسكينة، وتترك الفراغ موحشاً لتتخبط فيه شياطين الإنس والجن.
حديث أُسيد بن حُضير: إثبات عقيدة كرامات الأولياء وأسرار التلاوة
ولنعبر يا ولدى من رحاب التخلية إلى أنوار التحلية، ولنشهد معاً تطبيقاً عملياً لعقيدة الإيمان بالكرامات في صدر الإسلام الأول؛ فقد جاء سيدنا أُسيد بن حُضير رضي الله عنه (ت : ٢٠ هـ) (أحد نقباء الأنصار وساداتهم) ليقص على سيد الخلق مشهداً غيبياً عجيباً، فقال: يا رسول الله، كنت أقرأ سورة الكهف في صلاتي في جوف قيام الليل، وإذ بسحابة نورانية قد أظلتني ودنت مني! فماذا كان جواب الصادق المصدوق ؟ لم ينكر عليه رائيه، ولم يتهمه بالتهيؤ، بل أقر الحقيقة العقدية الثابتة قائلاً: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» ⁽³⁾، وفي الرواية الأخرى التي تثبت شهود الغيب عياناً: «تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» ⁽⁴⁾.
يا ولدى، إن هذا الحديث الشريف هو عمدة عقدية راسخة عند أهل السنة والجماعة والتصوف السني المعتدل في إثبات "كرامات الأولياء والصالحين"؛ فلقد سمع سيدنا النبي حكاية تنزل السحابة ورؤية الأنوار الملكوتية لولي من أولياء أمته ولم ينكرها، مما يقطع بفساد قول المنكرين الذين يحصرون خرق العادات وتنزّل السكينة في زمن النبوة وحده.
إن الكرامة حق، وهي استمرار لبركة المتابعة للمصطفى ؛ فما دامت الأمة تقرأ كتاب ربها بصفاء قلب وطهارة سريرة، فإن ملائكة السكينة تتنزل على مجالسها وبيوتها حقيقة لا مجازاً، شهوداً وإكراماً من الرب الوهاب لعباده المتقين.
"صدق الله وكذب بطن أخيك": التوكل اليقيني وتنزيه كلام رب الأرباب
وهنا يبرز التساؤل العقدي العميق الذي لابد أن نثيره لإنارة البصائر، وهو تساؤل يطرحه الحائرون: "إننا نقرأ سورة الكهف في بيوتنا، ونرتل الآيات صباح مساء، فلماذا لا تتنزل علينا سحابة السكينة، ولماذا لا تغشانا تلك الأنوار، بل نرى البيوت ممتلئة بالوحشة والنزاع؟ هل العيب في الأوراد؟ هل تخلف الوعد؟" معاذ الله! هنا يعلمنا الشيخ جابر بغدادي أدباً عقدياً جليلاً في التعامل مع وعود الله وكلماته التامات؛ فيقول لك مرشداً: ارجع إلى بيتك، فلربما كذّب بيتك وصدّق القرآن!
إن هذا التوجيه يستند إلى أصل نبوي متين في التوحيد واليقين؛ حيث جاء رجل إلى سيدنا رسول الله يشكو أن أخاه يشتكي بطنه، فأمره أن يسقيه عسلاً بناء على الوعد الإلهي: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ⁽⁵⁾، فرجع الرجل يقول: "يا رسول الله، سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً"، فقال له الصادق المصدوق بتأكيد اليقين المطلق في كلام الخالق: «صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» ⁽⁶⁾.
إن العقيدة الصحيحة تقتضي أن كلام الله هو الحق المطلق الذي لا يقبل الشك ولا التخلف، فإذا قرأت القرآن ولم تجد السكينة في بيتك، فاحذر أن يتطرق الشك إلى الوعد الإلهي، بل اتهم وعاءك! اتهم بيتك وقلبك وجيبك! تفقد القرشين اللذين كسبتهما من مال حرام، راجع مواطن الظلم في تعاملاتك، راجع الجرأة بالأبصار على ما حرم الله؛ فإن العلة أبداً ليست في كلام الشافي الوهاب، بل في بطن أخيك وفي وعاء قلبك الذي امتلأ بأخلاط الذنوب فحجب نور الإجابة والتنزل.
تدبير احترازي عقدى: التوازن بين الأخذ بالأسباب وتفويض الأمر للمسبب
يا ولدى، وحتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وينصرف ذهنك إلى فهم سقيم يخالف منهاج أهل السنة والجماعة، وجب علينا التنبيه العقدى والتحذير من شطحات الغلو في الاتجاهين؛ فإن تقريرنا لكرامات الأولياء، وتأكيدنا على أن تنزل السكينة هو محض فضل إلهي وخرق للعادات، لا يعني بأي حال من الأحوال "تعطيل الأسباب" التي أقام الله عليها نظام الكون، ولا يعني الركون إلى عقيدة "الجبرية" المذمومة التي تسلب العبد إرادته وسعيه، كما لا يعني الغلو في الصالحين ورؤيتهم آلهة متصرفين من دون الله!
اعلم يقيناً أن الأولياء والصالحين، مهما بلغت كراماتهم وعظمت منازلهم عند ربه، إنما هم عباد مكرمون لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وأن خرق العادة لهم هو إكرام من المسبب سبحانه وتعالى تأييداً لصدق إيمانهم ومتابعتهم للنبي .
إن التوحيد الصافي يقتضي منك أن تأخذ بالأسباب الظاهرة بكل جوارحك؛ فتنظف بيتك حسياً من النجاسات، وتطهر مالك من الحرام، وتصل رحمك، وتتداوى بالعسل والأسباب الطبية المشروعة، ولكن مع تعليق قلبك وباطنك بالمسبب جل جلاله دون سواه.
فلا الأسباب تشفي وتجلب السكينة بذاتها استقلالا، ولا ترك الأسباب من شيم العارفين المتوكلين؛ بل الإحسان العقدى هو أن تشهد قدرة الخالق في طي الأسباب، وتوقر كرامات أوليائه في حدود الشرع الشريف، وتتوسل إليه بطهارة القلب والظاهر ليكون بيتك محراباً لسكينة القرآن ومهبطاً لملائكة الرحمن على الدوام.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 15 دقيقة