Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الأخذ بالأسباب وتزكية القلوب في سورة الملك: إضاءات من توجيهات الدكتور جابر بغدادي

يستخلص الدكتور جابر بغدادي من سورة الملك فقه التعامل مع الأسباب الدنيوية، مبيناً التوازن الدقيق بين عمل الجوارح وفقاً للشريعة، وتوكل القلوب على مالك الملك، لتكون السورة حصناً ينجي من عذاب القبر ويؤسس لفقه الاستسلام لله.

أتقرأ يا ولدي سورة الملك ، أم أنك لا تزال مشغولاً بوهم المُلك الفاني؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾⁽¹⁾...هل توقفت يوماً لتتأمل البعد الفقهي والتشريعي في هذا الاستهلال الرباني العظيم؟ إنما بدأ الحق جل جلاله كلامه بهذا النداء الخالد، ليؤسس في قلبك ما يُعرف عند ساداتنا العلماء بـ "فقه القلوب"؛ وهو ألا تتشغل روحك بالأسباب وتنسى المسبب.
فكل هذه المملكة التي تعيش في كنفها وتتفاعل معها يومياً، هي تخضع لقوانين الله ومشيئته وحدها.
فقه الأخذ بالأسباب: بين طاعة الجوارح ويقين القلوب حين تقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، فهل بقي في يد أحدٍ من الخلق ذرةٌ مما ترجوه وتأمله لتعتمد عليه دون الله؟ لماذا تتعلق بالناس وتضيع وقتك مستجدياً إياهم؟ وهنا يا ولدي يجب أن نقف وقفة فقهية حازمة، ونضع تدبيراً احترازياً يضبط الفهم ويقيه من الزلل؛ فإياك أن تفهم من قولنا "لا تنشغل بالأسباب" دعوةً إلى ترك العمل أو التقاعس عن السعي في الأرض.
فإن ترك الأخذ بالأسباب بالكلية بحجة التوكل هو خروج عن مقتضى الفقه الصحيح وميل إلى عقيدة "الجبرية" والتواكل المذموم الذي نهت عنه الشريعة.
إن الفقه الإسلامي الرصين، كما قرره أئمة الهدى كـ (الإمام أبو حامد الغزالي ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)⁽²⁾، يقتضي التفرقة الدقيقة بين مقام الجوارح ومقام القلب؛ فالأخذ بالأسباب الدنيوية والسعي فيها هو "طاعة" تُسأل عنها جوارحك، بينما تفريغ القلب من الاعتماد على هذه الأسباب والتوكل المطلق على الله هو "إيمان" يُسأل عنه قلبك.
فالأسباب نأخذ بها امتثالاً لأمر الشرع، ولا نركن إليها يقينًا بأن الفاعلية لله وحده.
فقه الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة وقد يوسوس لك الوهم الفقهي القاصر فيقول: "نعم، أخذت بالأسباب، ولكنه قد لا يقدر أن يعطيني مسألتي لتعقد الأمور الدنيوية"، فيأتيك الرد القرآني الذي يضبط بوصلة الفقه العقدي في قلبك: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾⁽³⁾.
فسبحانه الخبير بظواهر الأمور وبواطنها، الذي شرع لك الأسباب وهو القادر على تعطيلها أو تفعيلها؛ فهو الذي لا يعجزه شيء، وإليه مرد الأمور كلها.
فقه العمل والابتلاء في ميزان الشريعة ثم ينتقل السياق القرآني ليضع قاعدة فقهية عظيمة في الغاية من الوجود المادي، قائلاً: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾⁽⁴⁾.
تأمل يا ولدي هذا المعنى الجليل؛ إن الشريعة لم تطلب منك مجرد "العمل"، بل اشترطت فيه الحُسن والإتقان.
وحُسن العمل فقهياً يعني أن يكون خالصاً لوجه الله، وموافقاً لسنة رسول الله .
فحين يشتد الكرب ويقول العبد: "أنا بين الموت والحياة"، عليه أن يتذكر أن الموت والحياة ليسا مجرد نهايات مادية، بل هما بيد من خلقهما ليختبر امتثالك للأحكام الشرعية وصبرك على البلاء، فمن فَقِهَ ذلك جعل عمله خالصاً للملك الحق.
فقه النجاة وأحكام القبر والبرزخ ولعلك تتساءل يا بني، باحثاً عن الدليل الشرعي والأثر الفقهي لقراءة هذه السورة العظيمة: كيف لسورة الملك أن تنجيك من عذاب القبر؟⁽⁵⁾ إن قراءة هذه السورة ليست مجرد تمتمة بالشفاه، بل هي مدرسة فقهية تعلمك أن موازين الدنيا وقوانينها المادية، من الأرض إلى السماء، تخضع لظل قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾⁽⁶⁾.
فإذا فَقِهَ قلبك هذا التسليم، وعملت جوارحك بمقتضى أحكام الشريعة دون التفات واعتماد على غير الله، فإن الأرض لا تأكل جسدك الطاهر، والقبر لا يضيق عليك.
بل تنتقل من أحكام التكليف في دار الدنيا، إلى أحكام التكريم في دار البرزخ، تعيش فيها قرير العين، هانئاً مطمئناً، لأنك أديت حق الشريعة عملاً، وحق الحقيقة توكلاً.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4 دقائق