Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الظاهر والباطن: القرآن مرآة الإيمان وعطر الموحدين

مقال عقائدي بليغ يستلهم من توجيهات الدكتور جابر بغدادي حقيقة الإيمان والنفاق من خلال الموقف من كلام الله، موضحاً تطابق الظاهر والباطن في عقيدة المؤمن، ومحذراً من هجران القرآن الكريم الذي هو ميزان العقيدة السليمة وعطر الموحدين.

القرآن الكريم ميزان العقيدة ووِرد الأوراد اعلم يا ولدي، نور الله قلبك بنور التوحيد، أن من أصول العقيدة السليمة تعظيم كلام الله جل وعلا، والاعتقاد الجازم بأنه الحبل المتين والنور المبين. وإنك لترى في مسالك الناس عجباً؛ إذ ينشغل بعضهم بنوافل العبادات، ويعكفون على أوراد شتى، ثم تراهم في غفلة عجيبة يهجرون القرآن الكريم! والقرآن، يا ولدي، هو وِرد كل الأوراد، ومنبع كل عقيدة صحيحة، فهجرانه ليس مجرد تقصير في تلاوة، بل هو حسرة وندامة تكشف عن خلل في تذوق حلاوة الإيمان ومكانة كلام الرحمن في القلب. ولكن احذر يا ولدي، وأنت تقرأ عن فضل تلاوة القرآن وعظيم أثره، أن تظن أن العبد يستجلب هذا الفضل بحوله وقوته، أو أن تقع في مزالق من ينسبون الفضل لأنفسهم. وفي الوقت ذاته، إياك أن تظن أن العبد مجبور على أفعاله مسلوب الإرادة، فتقع في مستنقع "العقيدة الجبرية" الباطلة؛ بل العقيدة الصافية أن الله تعالى هو المتفضل بالهداية والتوفيق، وهو الذي يشرح الصدر لتلاوة كتابه، ولكن العبد مكلف مختار، يؤجر على سعيه وقصده وإقباله على كلام ربه. فالمنة لله ابتداءً، والعمل مطلوب من العبد تكليفاً وامتثالاً ⁽¹⁾. مراتب الإيمان بين الباطن والظاهر في ميزان النبوة لقد أسس سيدنا رسول الله ميزاناً عقائدياً دقيقاً يربط فيه بين حقيقة الإيمان المستقرة في القلب، وبين أثرها الظاهر على الجوارح واللسان، ليُعلمنا أن الإيمان ليس ادعاءً باللسان فحسب، بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ⁽²⁾ عن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ)، أن سيدنا رسول الله قال: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، وكَمَثَلِ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ لا رِيحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌ...». تأمل يا ولدي هذا البيان المعجز؛ فالأترجة (وهي ثمرة زكية تشبه التفاحة في زماننا) جُعلت ضرباً لمثل المؤمن كامل الإيمان. الإيمان في قلبه أورثه طعماً حلواً، وهذا هو باطن العقيدة، وتلاوته للقرآن أورثت ظاهره ريحاً طيباً، وهذا هو ظاهر الأعمال. أما المؤمن الذي لا يقرأ القرآن، فهو كالتمرة؛ العقيدة في قلبه صحيحة والإيمان ثابت (طعمها حلو)، ولكنه حُرم من العطر الذي يفوح من تلاوة كلام الله، فباتت روائحه الروحانية مكتومة مزكومة، لا ريح لها. حقيقة النفاق وانفصال القول عن الاعتقاد ولأن العقيدة لا تستقيم إلا بمعرفة التوحيد وضده، فقد بيّن النبي حال المنافقين في ذات الحديث، فقال: «... ومَثَلُ المُنافِقِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ؛ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ؛ ليسَ لها رِيحٌ وطَعْمُها مُرٌّ». هنا تتجلى خطورة النفاق العقائدي؛ فالمنافق الذي يقرأ القرآن، له ظاهر براق وتلاوة قد تعجب السامعين (ريحها طيب)، ولكنه فاقد لأصل العقيدة والإيمان في قلبه، فباطنه خرب (طعمها مر). هذا الانفصال بين ظاهر القول وباطن الاعتقاد هو آفة الآفات. أما المنافق الذي لا يقرأ القرآن، فهو كالحنظلة؛ قد جمع بين فساد العقيدة في الباطن (الطعم المر) وسوء الظاهر (لا ريح لها). كمال الاعتقاد: القرآن عطر الأرواح وتطابق الأحوال لعلك تتساءل يا ولدي متفكراً في سر تخصيص الطعم والريح في هذا الحديث النبوي؟ السر، كما يجليه أهل الفهم والعرفان، أن سيدنا رسول الله أراد أن يرسخ في عقائدنا أن القرآن الكريم هو "عطر المؤمن". فإذا صحت عقيدة المؤمن، استقامت أحواله القلبية، وإذا تلا القرآن استقامت أقواله الظاهرة. هذا التطابق التام بين الأفعال الظاهرة (الدين المعاملة) والأحوال الباطنة (الإيمان واليقين)، هو الذي يجعل المؤمن كالأترجة أو التفاحة الزكية؛ يفوح منها عطر القرآن، ويحلو فيها طعم الإيمان. فاحرص يا ولدي على أن تجعل من كلام الله وِرداً لا ينقطع، ليكون لك عاصماً من النفاق، ومُجْلِياً لصدأ القلب، ومتمماً لعقيدتك، حتى يتطابق ظاهرك وباطنك على مرضاة الله جل جلاله.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة