بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف تحول حياتك إلى جنة وأنت على قيد الحياة؟ | بقلم الدكتور جابر بغدادي
كيف تحول حياتك إلى جنة وأنت على قيد الحياة؟ | بقلم الدكتور جابر بغدادي
إنَّ الموتَ في سبيلِ اللهِ شهادةٌ، و الحياةُ في سبيلِهِ فهي سيادةٌ وصِدِّيقِيَّةٌ، وقد قدَّمَ اللهُ عز وجل مقامَ الصِّدِّيقِينَ على مقامِ الشُّهداءِ في مُحكَمِ التنزيلِ. وإذا تأمّلنا خليلَ الرحمنِ سيِّدَنا إبراهيمَ عليه السلامُ، نجدهُ يُعَبِّرُ عن هذه الحياةِ في سبيلِ اللهِ أبلغَ تعبيرٍ، فانظرْ يا ولدي إلى الصدقِ كيفَ يتجلَّى في التطبيقِ الفعليِّ، فالمرءُ «وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» ⁽¹⁾. وكلمةُ "لا يزالُ" تُشيرُ إلى أنَّهُ ليسَ بينَ الصدقِ والصدقِ فجوةٌ أو سقطةٌ، بل هو استمرارٌ ويقظةٌ لا تنقطعُ.
ومقامُ "الصِّدِّيقِ" يا ولدي يعني أنَّ العبدَ يصيرُ رفيقاً لسيِّدِنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قريباً من حَضْرَتِهِ، ودانياً من اللهِ سبحانَهُ وتعالى، في مقامٍ يَقِلُّ بقليلٍ عن مقاماتِ الأنبياءِ؛ فهو في موطنِ الالتماسِ والخِدمةِ المباشرةِ تحتَ ظِلالِ أقدامِهِم. إنَّ جوامعَ التَّعايُشِ مع اللهِ، وجوامعَ العُبوديَّةِ والصِّدقِ معهُ جلَّ جلالُه، قد تجلَّتْ في آيةٍ قرآنيةٍ واحدةٍ لَقَّنَها اللهُ لنبيِّهِ لتكونَ تعريفاً شاملاً للحياةِ في سبيلِهِ، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ⁽²⁾. فكيفَ إذن نُقَدِّمُ الحياةَ في سبيلِ اللهِ على المماتِ في سبيلِهِ؟ وكيف تكون حيواتنا كلها سبيلاً لمرضاته؟ الجواب يكمن في إدراكك العميق لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾.
إنَّ هذا التوجيهَ الإلهيَّ يُعَلِّمُكَ ألا تقصدَ رَبَّكَ في أروقةِ المساجدِ فحسب، وألا تحصرَ عبادتَهُ في حَلَقاتِ الذِّكرِ وحدَها، بل يُعَلِّمُكَ أنَّ أوقاتَكَ كُلَّها يجب أن تكون ميداناً للذِّكرِ. وهنا يُرشدُنا الإمامُ السجادُ، عليٌّ زينُ العابدينَ بنُ الحسينِ (المتوفى سنة 94 هـ، والمُشتَهِرُ بسيِّدِ الساجدينَ) بقولِهِ: "اللهمَّ اجعلْ ذِكْري بالعينينِ بُكاءً، واجعلْ ذِكري بالأُذُنينِ إصغاءً، واجعلْ ذِكري بالجسدِ وفاءً، واجعلْ ذِكري باليدينِ إعطاءً، واجعلْ ذِكري بالقلبِ رِضاً وتسليماً" ⁽³⁾. هذا هو المفهومُ الحقُّ للعبوديةِ لدى أهلِ اللهِ؛ أن تكونَ حركاتُ الإنسانِ وسكناتُهُ كُلُّها منسجمةً بالصدقِ مع خالقها.
وإذا كانت الصلاةُ والنسكُ عباداتٍ ظاهرةً للجوارحِ، فما هو المحيا؟ وتسألني يا ولدي: وما محيايَ؟ فأُجيبُكَ: إنَّهُ طعامُكَ الذي تتناولُهُ! نعم، الأكلُ يكون للهِ حينَ تستعينُ بهِ على طاعتِهِ، وتلكَ من أخطرِ المواطنِ وأعظمِها، فهي تتطلبُ امتحاناً للنيةِ لتمييزِ الحلالِ من غيرِهِ، وتستوجبُ النجاحَ بالاقتصادِ في العيشِ. فمَن لم يقتصدْ في مَعيشتِهِ، صارَ أسيراً لمطالبِ بَطنِهِ، يسمعُ النِّداءَ للصلاةِ فلا يجدُ لها وقتاً تلبيةً لاحتياجاته الجسدية المفرطة، ومَن كانَ كذلك فلن يعيشَ عيشَ أهلِ اللهِ.
لقد ضربَ لنا الصحابةُ الكِرامُ أروعَ الأمثلةِ في أعزِّ وأصعبِ مواطنِ الغزواتِ، حينَ جاءُوا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هلَّا جعلناهُ لكَ عريشاً كعريشِ موسى؟ قاصدينَ أن يهيِّئوا لهُ مجلساً فخماً مريحاً، فأجابهمُ المربِّي الأعظمُ: «الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ»، فالدنيا أقلُّ وأصغرُ ممَّا نتصوَّر. وكانَ الصحابةُ رضوان الله عليهم يستحسنون أن يترنَّموا وينشدوا بشعارٍ خالدٍ في غزواتهم قائلين: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ» ⁽⁴⁾. فانظرْ يا ولدي إلى هذا الشعارِ العظيم؛ هل ننتظرُ الموتَ لنعيشَ الآخرةَ؟ كلا، بل نحنُ نعيشُها من هُنا! الجنةُ تبدأُ من هُنا، ولا حاجةَ للانتظارِ حتى تنقضيَ الآجالُ وتُعرضَ الأعمالُ لتعلَمَ هل أنت من أهل الجنة أم النار. إنَّ ظواهرَ ذلكَ تتجلَّى لنا بيننا الآن؛ فتأمَّلْ حالَكَ حينَ يُرفعُ الأذانُ، أينَ تكون؟ وتأمَّلْ حالَكَ حينَ يُهِلُّ شهرُ رمضانَ، هل تعقدُ النيةَ على الصِّيامِ أم تميلُ إلى اللَّهوِ واللعب؟
إن المعيارَ الحقيقي هو ألا يجدَكَ اللهُ حيثُ نهاكَ، وألا يفتقدَكَ حيثُ أمركَ. فالطاعةُ تجمعُنا، والمعاصي تُفَرِّقُنا، وحيَّ على النداءِ الدائم لله. هذا هو مذهبُ حياةِ الدِّينِ يا عباد الله، فالدِّينُ حياةٌ متكاملةٌ وليسَ حبيسَ المساجد فحسب. حتَّى في ثيابك التي تلبسها؛ فقد سألَ الصحابةُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الرَّجُلِ يُحِبُّ أن يلبس ثوبا جميلا ويأكل طعاما جميلا، فأجابَهُم: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» ⁽⁵⁾. ولما رأى النبي رجلاً مُتبذِّلاً في هيئتِهِ أرشدَهُ بلطف قائلاً: يا أخي اذهب وأصلح من شأنك، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» ⁽⁶⁾. فثيابُكَ النظيفةُ عبادةٌ، ونظافةُ بَدَنِكَ عبادةٌ، واحتياج جسدك إلى الماء عبادةٌ، والأكلُ والشرب عبادةٌ، والكلمةُ الطيبةُ التي تجبرُ بها الخواطرَ وتُسرُّ بها الإنسان عبادةٌ، والمُسامحةُ والمُلاطفةُ عبادةٌ، وبسطُ اليدِ للمسكينِ عبادة، والوقوفُ نُصرةً لدينِ اللهِ عبادةٌ.
فاعلمْ يا عباد الله أنَّ الجنةَ لا تُدْخَلُ بالموتِ فحسب؛ بل تُعاشُ في الدنيا. ويُروى في أثرٍ عظيمٍ أنَّهُ كانَ في عهدِ أميرِ المؤمنينَ عُمرَ بنِ الخطابِ (الفاروقِ، خليفةِ المسلمينَ الثاني، المتوفى سنة 23 هـ) شابٌّ جميلُ الطَّلعةِ، نشأَ في عبادةِ ربِّهِ، وكانَ يُلازمُ أميرَ المؤمنينَ في صلاةِ الفجرِ جماعةً كل يوم. وافتقدَهُ عُمرُ فجأة، وصاحبُ القلبِ المُتربي على عينِ النُّبوَّةِ لا تَعدُ عيناهُ عن أحبَّتِهِ، فسألَ عنه لِمَ لا يأتي؟ فأخبروهُ أنَّهُ قد أصابه حادث وماتَ! فعاتبهُم أميرُ المؤمنينَ لِمَ لم يُؤذِنوهُ ليعزِّيَ أهلَهُ ويُصلِّيَ عليهِ، ودعاهم ليروه قبره. لقد كان هذا الشاب ملتزما لا يعصي الله أبدا، وفجأة حصلت له نكبة كباقي السائرين ومسه طائف من الشيطان، فتذكَّرَ قولَ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ ⁽⁷⁾. وقبلَ أن يفيضَ رَمَقُهُ الأخيرُ أوصى أباهُ: يا أبتِ، إذا أنا مُتُّ فلا تُعْلِمْ أميرَ المؤمنينَ، لعلَّ اللهَ يخبرُهُ ببصيرته بحالي فأُفتضَحَ بينَ معاشرِ الأحياءِ. فغسلوهُ وصلَّوْا عليهِ في سُكونِ الليلِ ودفنوهُ.
ولمَّا وقف عُمرُ على قبرِهِ ناداهُ قائلاً: يا هذا! ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ⁽⁸⁾. فناداهُ الشابُّ من داخلِ قبرِهِ: واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ، لقد أُعطيتُهما وعشتهما جنة في الدنيا في طاعة الله. ونحنُ يا ولدي، هل نظل مستنين دخولَ الجنةِ حتى نرى الحورَ العِينَ ونعيمَ الآخرةِ؟ إنَّ الجنةَ من هُنا، والحياةُ في سبيلِ اللهِ تنطلقُ من هُنا! فتلذَّذْ يا ولدي بتكبيرةِ الإحرامِ، وتلذَّذْ بأنَّكَ مُوَفَّقٌ لذكرِ المَلِكِ العَلَّامِ، وتلذَّذْ بصُحبةِ الصالحينَ؛ فقد وَصَفَ اللهُ جنةَ الدنيا بأنَّها في صُحبةِ أهلِ الصلاحِ حينَ قالَ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ ⁽⁹⁾، فهذهِ هي جنةُ الدنيا، ثُمَّ أردفَ: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ⁽¹⁰⁾، وتلكَ هي جنةُ الآخرةِ.
فاحذروا يا عباد الله أن تهتف بكم شواغلُ الباطلِ عن نوازلِ الحقِّ، وأن تتخطفكم كلاليبُ الدنيا فتبعدكم عن منازلِ الجنةِ التي أعدَّها اللهُ في هذا العالَمِ ونحنُ أحياءٌ. الجنةُ من هُنا مصداقا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ⁽¹¹⁾. فهذهِ هي أُولى درجاتِ الإسلامِ، وأعلى رُتَبِ المعيَّةِ، وأسمى مقاماتِ التَّعايُشِ مع اللهِ بالعُبوديةِ؛ أن تعيش حياتَكَ للهِ، وتصدُقَ في كُلِّ حركاتِكَ وسَكَناتِكَ وتقصد بها وجهَ اللهِ الكريمِ. حتى في احتياجِكَ إلى النَّومِ، اجعلْهُ طاعةً لتستعينَ براحةِ البَدَنِ على الاستقامةِ في وظائفِ العُبوديَّةِ للهِ. ولولا هذا، كيفَ كُنَّا سنفهم قولَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ⁽¹²⁾؟ كيفَ كانت الأرضُ كُلُّها مسجداً للنبي؟ لأنَّ كلَّ حركةٍ فيها عبادةٌ وكل سكنة فيها عبادة. لقد أرادَ النَّبيُّ أن يُوَسِّعَ مَشهَدَ المسجدِ ليتَّسِعَ لقولِهِ تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ⁽¹³⁾، حتى يُصبحَ وجهُ اللهِ مِحراباً في كلِّ مَشهَدٍ، كما قالَ العارفون: "في كلِّ مشهدٍ تجلَّى لي المحبوبُ، فشاهدتُهُ في كلِّ معنىً وصورةٍ. وقال: أتدري من أنا؟ قلتُ: بُغيتي" ⁽¹⁴⁾.
وقد نَوَّهَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على مقامِ الصِّدقِ في السيرِ إلى اللهِ، مُبيِّناً أنَّ الرجلَ لا يَصدُقُ في الكلامِ فحسب، بل في العزمِ، وفي العزيمةِ، وفي الأفعالِ، وفي التَّوجُّهاتِ، وفي التوبةِ، وفي الذِّكرِ، وفي المحبةِ، وفي الأُخُوَّةِ، وفي قيامِ الليلِ، وفي معاهداتِهِ مع اللهِ، وفي عهدِهِ مع شيخِهِ، وفي صيانةِ الأمانةِ. إنَّ المرءَ لا يقتصرُ صِدقُهُ على شعورِهِ بالرضا عن نفسِهِ ظانّاً أنَّهُ صادقٌ وهو يقف عند هذا الحد؛ بل يتحرى الصدق ويتورَّعُ ويَتَّهِمُ نفسَهُ بالتقصيرِ برغم هذا الصدق كله. وما هي النتيجةُ يا ربِّي؟ قالَ المصطفى: «حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا». والصِّدِّيقِيَّةُ هنا هي البشارةُ بمرافقةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الجنةِ، كأنه يقول حتى يكون معي في الجنة.
أرأيتَ يا ولدي من أينَ يأتي الوصولُ إلى هذهِ الرُّتَبِ العاليةِ؟ إنَّهُ ينبثقُ من أوَّلِ خُطوةٍ تخطوها. ولهذا بدأتُ حديثي لكَ مؤكِّداً أنَّ النَّجاحَ عندنا ينطلقُ من واحدٍ في المئةِ من النِّيةِ الصادقةِ. وهنا يُرشدُنا تاجُ الدِّينِ أبو الفضلِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الكريمِ بنِ عطاءِ اللهِ السَّكَندريُّ (من كبارِ أئمةِ التصوفِ وعُلماءِ الشاذليةِ، المتوفى سنة 709 هـ) في حِكَمِهِ البليغةِ قائلاً: "الأعمالُ صُوَرٌ قائِمَةٌ، وأرواحُها وُجودُ سِرِّ الإخلاصِ فيها" ⁽¹⁵⁾. فأيُّ عملٍ تقومُ بهِ هو عبارةٌ عن صُورةٍ، ونظرُ اللهِ إليهِ إنما يقع على موطنِ الصِّدقِ فيهِ، وموطنِ الإخلاصِ فيهِ، وموطن العزمِ الصادقِ فيهِ، وموطن الحُبِّ المُخلِصِ فيهِ. ولذلكَ «وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا»، وهذا يُكتَبُ لهُ وهو لم يمت بعد، بل يعيشُ بينَ أواسطِ الناسِ، وهُوَ صِدِّيقٌ، وجارٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
