بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مثلث النجاة الرباني: دع التقييم للخالق واقرأ صحيفتك مع الدكتور جابر بغدادي
مثلث النجاة الرباني: دع التقييم للخالق واقرأ صحيفتك مع الدكتور جابر بغدادي
قد ترى يا ولدي ولداً من صلبك قد هداه الله، فأقبل على طاعته، وأحسن في مسعاه، وأقام صلاته، بينما ترى الآخر متخبطاً في دروب الغواية، غارقاً في نقائصه. فإياك ثم إياك أن ترميه بالقبح، أو أن تطلق عليه أحكامك القاطعة؛ فما أنت له برب، إنما أنت له مجرد أب! ولعل عناية الله الخفية تصادفه غداً في غفلة من الزمن، فترفعه إلى مراتب العارفين، وتجعله خيراً منك ومن إخوته. دع عنك تقييم الخلق، وانشغل بصحيفتك، ففي يوم العرض الأكبر لن تُسأل عن أوراق غيرك، بل سيقال لك: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾⁽¹⁾.
ولنا أن نتساءل، كيف نحكم على النهايات وربنا جلت قدرته يفرح بعباده وتتجلى رحمته في أعجب الصور؟ فقد أخبرنا المعصوم صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عند الإمامين البخاري ومسلم، قائلاً: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ»، فلما تعجب الصحابة وسألوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ، فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ»⁽²⁾.
فيا ولدي، انظر في صفحتك وحدك. عاب المنهج أن نرى كل واحد منا مسترقاً النظر إلى صحيفة من بجواره! لماذا لا يركز كل امرئ في منهجه وطريقه إلى الله؟ إنك غداً ستقف بين يدي مولاك فرداً، سيكلمك عن حالك أنت، لا عن حال غيرك. فاعلم أنك لست بقيوم على الناس، ولتحذر أشد الحذر؛ فإن إطلاق الأحكام على الخلق سهم يرتد في صدورنا، نعم، يرتد فينا؛ لأن الله جل جلاله يغار على "قيومية هدايته"؛ فالهداية شأنه وحده لا شأن العبيد.
ولعل ما اشتُهر عنك من طاعات ظاهرة، لم يبلغ في ملكوت الله معشار ما استتر من مقامات غيرك، حتى وإن رأيت منه بعيني رأسك المعصية! فربما كان المشهور منك مجرد ذكر وسبحة تُديرها بين أصابعك، بينما المستور من هذا العاصي في ظاهره: بر عظيم بوالديه يا حبيب، أو إكرام لجيرانه، أو سعي في إسعاف الملهوفين، ومساعدة للمساكين.
بل ربما كان المستور منك أنت في خلواتك هو الزنا، والمستور منه في خلواته هو ستره لعورات بنات المسلمين! الله، الله! إنما انجلت عليك من ساتر الله أردية الطاعة، وأُسبلت عليك نعمة الستر، فغدوت تمشي بين الناس مُسبِّحاً، تُظن بك الصلاح.
وما دامت الأرواح تسري في هذه الأشباح الطينية، فقف أيها العقل عند منتهى أوامر الإسلام، ألا وهي الاستقامة. والاستقامة يا ولدي لا تكتمل إلا بثلاثة شروط ربانية: أولها أن تقيم نفسك في مقام العبودية الخالصة لله، وثانيها ألا تُقيم غيرك ولا تحكم عليه، وثالثها ألا تُقيم لنفسك وزناً أو شأناً فتغتر بها.
ألم تنظر إلى سادات قريش، كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل؟ كيف بدلتهم العناية الربانية وحولتهم من أئمة للكفر إلى أولياء لله يُتقرب بحبهم!
أوليس سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب قد وثب يوم صلح الحديبية يريد ضرب عنق سهيل بن عمرو، فماذا كان رد الحبيب المصطفى؟ أوقفه بحلمه النبوي قائلاً: «لَا يَا عُمَرُ، دَعْهُ؛ فَعَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ فِيهِ يَوْمًا»⁽³⁾، ولعله يقصد: لعل الله يريك منه ما تقر به عينك. هذا هو سهيل بن عمرو الذي استشرفه نور النبوة!
وتأمل ما يرويه سيدنا أبو بكر الصديق، حين قال: ""رأيت سهيلاً يوم حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر الحلاق أن يقص له شعره، فوالله ما سقطت شعرة من رأسه الشريف على الأرض إلا وتلقفها سهيل، فمسح بها عينيه تبركاً ووجداً""⁽⁴⁾. انظر كيف انقلب الحال! بعد أن كان جاحداً لا يصدق بنبوته، صار حبيباً! بل غاص في لغة المحبين حتى أمسى هائماً في عشق رسول الله.
ولنا أن نتأمل، من الذي يروي هذه المشاهد؟ إنه الصديق أبو بكر! ولماذا يرويها؟ ليثبت صدق استشراف النبي حين قال لعمر: دعه ولا تقتله، لعل الله يريك منه يوماً تقر به عينك، وسترى منه يوماً يسر قلبك. فرضي الله عنهم أجمعين؛ فقد رضي لهم الإسلام ديناً، والله جلت قدرته ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾⁽⁵⁾. فهل تدرك يا ولدي علامة رضاه؟ إن من علامة رضاه عنك أن يسوقك إلى رحابه، فيأتي بك إلى بيته وجامعه لتصلي وتقف بين يديه.
