بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار مشاهدة نور الله وحقيقة الرجولة الربانية | د. جابر بغدادي
أسرار مشاهدة نور الله وحقيقة الرجولة الربانية | د. جابر بغدادي
أتروم يا ولدي مشاهدة نور الله؟ إذن فلتكن رجلاً بحق. فمن يكره ليس برجل، ومن يحسد ليس برجل، ومن يسحر ليس برجل، ومن يظلم ليس برجل، والغافل ليس برجل، وآكل حقوق الناس ليس برجل. لأن حقيقة الرجولة يا ولدي هي تلك التي نطق بها الحق جل جلاله قائلاً: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾⁽²⁾.
ولما تجلى الحق بقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾⁽¹⁾، كان لنا أن نتساءل: من ذا الذي يحتمل كمال هذا النور؟ لا أحد، فليس يستطيع مخلوق أن يرى هذا النور المبين، إلا ذلك المثال الأكمل الذي استودعه الله أسرار هذا النور للهداية. ولذلك قال جل جلاله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾⁽¹⁾، ليفيض نور الربوبية على نور الحقيقة المحمدية، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾⁽¹⁾.
ولنا أن نتساءل يا ولدي: أين تلقى هذا النور؟ إنما هو قبس لا تجده في الخارج، بل هو مقام يتطلب منك إن أردت الوصول إليه أن تكون رجلاً من رجال تلك البيوت، مصداقاً لقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾⁽²⁾. وتأمل يا ولدي، فهو لم يقل في الجوامع فحسب، بل إن كل مبنى يحوي معنى يدل على حضرة رسول الله ﷺ هو بيت أذن فيه الله لرجال أن يذكروا الله. ففي مقامات الدرس والمدارسة تقوم بيوت من بيوت الله، وقلوب العارفين الصالحين هي بيوت عامرة بذكر الله.
فالقلوب هي من تلك البيوت التي متى تطهرت وتجردت، رأت عجائب الملكوت، تصديقاً لما قاله الحبيب المصطفى ﷺ: «لَوْلَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، لَنَظَرُوا إِلَى الْمَلَكُوتِ»⁽⁴⁾. ثم ماذا يقول الحق بعد ذكر نوره الرباني؟ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾⁽²⁾.
فيا سعدهم ويا نعم الوصل وصلهم! وما مطلبهم؟ إنهم ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾⁽²⁾. ولتعلم يا ولدي، ويا معراج روحي، أنهم ليسوا خائفين من النار فحسب، فذكرهم لم يكن عن خوف من جهنم، إنما خائفون من ذلك اليوم الذي تتبدل وتثقل فيه الموازين وحسب.
وبعد ذلك، يقوم ربنا بذكر فضله بعدما ذكر نوره، يذكر فضله فيقول عز من قائل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾⁽²⁾، وكأنه سبحانه يقول: الأشياء السيئة سترناها، ونقابلهم بوجه طلق. ولم ذاك يا ولدي؟ لأن هؤلاء الرجال كانوا لا يريدون إلا وجهه الكريم.
فالذي عاش العمر يشتهي نظر الله، يشتهي النظر إلى الله عند لقاء الله، عندما تصفو الأحوال. وها هنا يا ولدي ندرك قاعدة أهل الوصل: "وقت الصفاء، ذكر الجفاء جفاء"، فينسي الحق سبحانه الكرام الكاتبين ما كتبوا من الذنوب والهفوات. وذلك هو تحقيق قول الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾⁽²⁾، فهذا الذي عملوه ينالون به حسن اللقاء، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾⁽²⁾.
الله! وما هي تلك الزيادة؟ هي أنه متى دخلوا الجنة، يرفع لهم الأستار والنعيم، بعدما عداهم من الجحيم، وعداهم من جهنم، وعداهم من الميزان، وعداهم من الصراط، وفتح لهم أبواب الجنة، فقابلوا سيدنا رسول الله ﷺ، وشربوا من يد سيدنا النبي، ويدخلون الجنة. وربنا سبحانه وتعالى يقول بعدها ماذا؟ يقول متوجاً هذا الفضل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾⁽³⁾.
🔗محتوى متعلق بهذا الفيديو
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (آية النور واسرار رؤيا رسول الله)التوثيق العلمي
