بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مقامات السائرين: من العبادة إلى مشاهدة المنعم (ثلاث علامات دالة على أنك على الطريق الصحيح
مقامات السائرين: من العبادة إلى مشاهدة المنعم (ثلاث علامات دالة على أنك على الطريق الصحيح
اعلم يا ولدي، أن سيرك إلى الله ينتظم في مقامات ثلاثة، تُعد ثلاث علامات دالة على أنك على الطريق الصحيح؛ تبدأ بالعبادة، ثم ترتقي إلى العبودية، لتتوج في ذروتها بالعبودة.
فأما العبادة؛ فهي ما منك له ليعطي. وأما العبودية؛ فهي ما منك به ليرضى. وأما العبودة؛ فهي ما منه فيه بك، ليُحسن، لتشهد، ليتعطف، ليتكرم؛ فتشكر.
ولنا أن نتساءل هنا يا ولدي: كيف ندرك كنه هذه المقامات؟ فأقول لك: الأولى، وهي العبادة، هي طاعاتك التي هي ما منك إليه سبحانه؛ لتنال عطاءه. أما المقام الثاني وهو العبودية؛ هي ما منك به بتوفيقٍ منه، فليس للعبد فيها إلا التعلق بسر "لا حول ولا قوة إلا بالله"; فهي ما منك به وبمحض فضله، حيث يبدأ العبد في هذا المقام بالتخلي عن حوله وقوته، ويتجرد تماماً من مقاماته، موقناً أنه لا فاعل في الوجود على الحقيقة إلا الله.
وفى هذا قال العارفون والله لولا الله ما اهتدينا ولا قمنا ولا صمنا ولا صلينا فانزلن سكينة علينا .. الخ، فأين كان مستقرنا ومآلنا في هذه اللحظة؟ وما كنا لنهتدي سبيلاً؛ ذلك لأن عقلي القاصر هذا، ما كان ليصل أبداً لفهم الحقائق الإلهية وتذوقها، لولاا أن الله -جل جلاله- تلطف، وعطف، وعافى، وغفر، وأنصف، وقوى، وعبر بنا صراط السلامة، وقدر، وقضى. نعم يا ولدي، لولا أنه سبحانه ساق إلينا هذا العالم برسالةٍ تسبح في محيط رحمةٍ محمدية، مصداقاً لقوله جل شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾⁽¹⁾، أي أنه رحمة بالعالمين أجمعين.
لقد بايع الله الناس بكف نبيه المختار، فاقرأ إن شئت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽²⁾، هل قال كأنما ؟؟ ولكن قال إنما يبايعون الله ؛ فالذين يبايعونك إنما يبايعون الله، ليبقى المعنى الأسمى أن الله بايع الناس بكفه الشريف.
وكلم الناس بحرفه، وحارب الأعداء بسيفه صلى الله عليه وسلم ؛ وتأمل معي قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾⁽³⁾؛ فلما قلنا إن العبد أناب إليه واحتمى، ناب عنه ربه ورمى، ليتحقق السر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهكذا يا ولدي، أرى اللهُ الوجودَ مشهدَ طلعةِ الودود، بعينه؛ فأقرأ الناس بحرفه، وبايع الناس بكفه، وحارب مَن اعتدى على الدين بسيفه.
ثم إن الله غفر لنا، وقبل استغفارنا، إذ كان بعطفه قد شرع لنا باب الوصول حين قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾⁽⁴⁾... ألا ترى في ذلك كمال القبول؟ إذ يتبعها العطاء الأعظم: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾⁽⁴⁾.
لقد بايع بكفه، وخاطب بحرفه، وحارب بسيفه، ورحم بعطفه، مُعلناً التوحيد الخالص لله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾⁽⁵⁾.
وخلاصة القول يا ولدي؛ فالعبادة هي ما منك إليه ليعطي، والعبودية هي ما منك به ليرضى، والعبودة هي ما منه به لك؛ لتشهد، فيسوقك مُطَّلع الشهود إلى دوائر الشكر، فتتلذذ حينها بنعيم المُنعم، لا بحجاب النعمة.
إنما النعمة يا ولدي قد تكون حجاباً، إلا إذا لاح لمشهد العارف حيال النعمة وصف المنعم؛ فإنه يخر معترفاً بعجزه، مناجياً إياه بما نطق به الحبيب المعصوم: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»⁽⁶⁾؛ فليس لعقلي ولا لساني قدرة على الإحاطة بك وبنعمائك.
ولأجل هذا العجز الجميل، ولتلك الحيرة الراقية، كان العارف يترنم قائلاً: "تَيَّهْتُمُونِي فِي بَدِيعِ جَمَالِكُمْ *** فَلَمْ أَدْرِ فِي بَحْرِ الْهَوَى أَيْنَ مَوْقِعِي"⁽⁷⁾. حقاً يا ولدي، لقد "كَلَّتِ الْأَلْسُنُ عَنْ تَفْسِيرِ صِفَتِكَ، وَانْحَسَرَتِ الْعُقُولُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِكَ"⁽⁸⁾، فكيف يوصف صفتك، وأنت الله..
🔗محتوى متعلق بهذا الفيديو
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (ثلاث علامات دالة على أنك على الطريق الصحيح)التوثيق العلمي
